قد لا يبدو مفاجئاً ما يجري من سجالٍ عسكري في الساحل الإفريقي للبحر المتوسط، سجالٌ قد يؤدي إلى مواجهةٍ متعددة الأطراف أساسها كسر الغرور والصلف الإجرامي العثماني، ففي نهاية الشهر الماضي وبمقالٍ بعنوان «الحديث لـ«باري ماتش» والعزاء في اسطنبول: عندما يتصارع الميتون أخلاقياً» قلنا إن ليبيا مقبلةٌ على معركةٍ كبيرة إن استمرت تهديداتُ المجرم رجب طيب أردوغان بالتدخل عسكرياً لأن المتضررين من هكذا تدخلٍ كثرُ، لكن اللافت هو التعاطي مع خطورة ما يجري في ليبيا من باب التبسيط باتجاهين:
الاتجاه الأول وهو ما تعنيه ليبيا بعد حقبة الراحل معمر القذافي من انتصارٍ كبيرٍ حققهُ الإسلام السياسي بشقّه المتآخون ليكون قاعدة انطلاقٍ للمهام التالية، أما الاتجاه الثاني فمرتبط بتحول ليبيا في ظلّ الفوضى إلى جاذبٍ للجماعات الإرهابية المتطرفة ودورها الذي لعبته في أماكن عدة وبالأخص سورية، ولكي نفهم خطورة ما يمثلهُ هذان الاتجاهان لابدّ لنا من استعادة سردٍ لبعض الأحداث المهمة في سورية، إذ لا يكفي أن نقول إن حكومة الوفاق تابعة لتركيا وقطر، أو الاكتفاء بمجرد سردٍ للمعلومات، القضية أن نفهم أين يجب أن نكون حتى لو اضطررنا أن نتحلى بالواقعية للوقوف بوجه ما يجري وعدم ترك الساحة كما غيرنا إما بالصمت أو القبول الضمني، فكيف ذلك؟
نهاية عام 2011، أي بعد أشهر فقط من اندلاع ما يسمى «الثورة السورية» التي كانت ترفع شعارات «سلمية سلمية»، زار رئيس ما يسمى المجلس الوطني السوري يومها برهان غليون طرابلس الليبية برفقة عددٍ من أعضاء المجلس الوطني السوري للقاء رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل، الغليون الذي ينظر إليه البعض كوجهٍ متنوّر للثورة السورية بدا أشبه بالواجهة لما يُراد من هذا الاجتماع، أو بمعنى أدق كما وصفهُ يوماً أحد قادة تنظيم الإخوان المجرمين في سورية علي صدر البيانوني، عندما اعتبر أن الثورة مضطرة لواجهات علمانية كهذه، فالمحادثات غلب عليها الطابع الإخواني كيف لا وهي برعاية قطرية تركية؟ هذا الاجتماع أفضى يومها لقبول المجلس الانتقالي الليبي مساعدة نظرائهم من حملةِ الجنسية السورية بالعتاد والعنصر البشري للمساهمةِ في قلبِ نظامِ الحكم في سورية، كان الخيار الليبي يتفوق على الخيار المصري لأن الصورة في مصر لم تكن قد اكتملت بعد، لكن بذات الوقت كانت الفكرة تستندُ يومها لعدة عوامل ساهمت بتسريع تطبيقها:
أولاً: القناعة التي نقلها الأميركيون لكل من القطريين والأتراك بأن الحماية الروسية الصينية لما يسمونهُ «النظام السوري» في مجلس الأمن لن تدوم، تحديداً أن الروسي لم ينضج بقدراته بعد للعودة إلى نهج الحرب الباردة مع الأميركيين، أما الصيني فهو أساساً لا يجرؤ على استفزاز الأميركيين خشية إخلال الصعود الاقتصادي الصاروخي للصين.
ثانياً: الاستفادة من نجاح تجربة إسقاط النظام الليبي «إعلامياً» ومحاولة الاستفادة منها في سورية، هذا النجاح تجلى عملياً بتلاقٍ لا يزال يعتبر أشبه بوصمة عارٍ على كل الإعلام المقاوم الذي دعم سقوط القذافي، بل كان عملياً يتبنى خطاب الناتو في الكثير من الأحيان، هؤلاء تناسوا مثلاً أن الكبير في القضايا المصيرية هو من يضع الخلافات الهامشية جانباً، لم يتعلموا مثلاً أن القيادة السورية المتمثلة بنهج الراحل حافظ الأسد وضعت خلافاتها الجوهرية مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين جانباً عندما لم تسمح بحصار الشعب العراقي ولم تسمح بأن تكون مُهللةً لغزو بلدٍ عربي.
ثالثاً: نضوج فكرة الإسلام السياسي كمشروعٍ بديل في المنطقة، القضية هنا لم تكن فقط بالقبول الأميركي بالتجربة، القضية كانت تُطرح فعلياً عن الموقف الحقيقي لـ«الحليف الإيراني» في بداية الأحداث، تحديداً أن سياسة الصمت التي انتهجها على المستوى السياسي كان مردها لأكثر من طرح، منها مثلاً ضمانات تركية وقطرية على قبوله بفكرة تطعيم «النظام السوري» بقيادات إخوانية، هل كان طرح شعار «الصحوة الإسلامية» عبثياً؟!
رابعاً: الاستفادة من الخبرات التي راكمها الإرهابي عبد الحكيم بلحاج وهو الذي كان أحد أهم قيادات تنظيم القاعدة في أفغانستان قبل أن يعلن نفسهُ رئيساً للمجلس العسكري للثوار في طرابلس، هذا المجلس الذي حظي برعايةٍ وتعويم من شيخ الفتنة يوسف القرضاوي كان له دور بارز في فكرة تصدير الجهاديين حيث تشاء الإرادة الإخوانية المتمثلة بكل من قطر وتركيا وبرعايةٍ أميركية خالصة.
هذه الأمور سرّعت من عملية نقل الإرهابيين إلى سورية، حتى ما كان يُحكى عن وصول هؤلاء الإرهابيين إلى لبنان ومن ثم عبورهم إلى المناطق الحدودية بدا كلاماً غير دقيقٍ لأنهم عملياً كانوا ينتقلون إلى تركيا بشكلٍ نظامي ومن ثمّ باتجاه الحدود التركية السورية ليقودهم الإرهابي الليبي الإيرلندي مهدي الحاراتي.
شكّل تعويم مهدي الحاراتي على الساحة الجهادية السورية مفاجأة للجميع، لكن اختيارهُ بدا مرتبطاً بعاملين أساسيين:
الأول هو صلتهُ بالاستخبارات الأميركية التي كانت تسعى لفتح قنوات اتصالٍ مع تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا، هذه العلاقة أكدتها عدة تقاريرٍ إعلامية غربية من بينها صحفٌ بريطانية، أما السبب الثاني فكان متعلقاً بما يشكلهُ هذا الإرهابي من وجهٍ إعلامي يتحدث الإنكليزية بطلاقةٍ وقادر أن يكون أشبه بالنسخة الإنكليزية لبيرنار ليفي، «ثائرٌ متنقل» في الدول التي يضربها ربيع الدم العربي، كيف لا والراوية الغربية كانت بحاجة للكثير من الأصوات المبررة لكل ما يجري من قتلٍ وإجرام باسم الحرية؟
كانت سورية هي الهدف التالي بعد ليبيا، فعلياً بدأ الحاراتي مهمته كما هي مرسومة لهُ تماماً عبر تشكيله ما يسمى «لواء الأمة»، بل إنه كان يحضر جميع الاجتماعات المتعلقة بتشكيل الكتائب القتالية في الشمال السوري، حتى الاجتماع الشهير الذي عُقد نهاية شهر أيلول في عام 2012 وسُمي مؤتمر «توحيد كتائب الجيش السوري الحر»، حضرهُ الحاراتي وحضره كذلك الأمر شيخ الفتنة الآخر عدنان العرعور، الذي كان حضورهُ أشبه برسالةٍ عملية بأن السعودية باتت حاضرة عسكرياً في الملف السوري.
كان لافتاً أن عملية نقل الإرهابيين إلى سورية عبر ليبيا لم تقتصر فقط على الليبيين، بل هناك مثلاً أكثر من ثلاثين إرهابياً إيرلندياً من جذورٍ عربية نُقلوا بوساطةٍ الحاراتي ذات نفسه تحدثت عنهم صحيفة «إيريش تايم» الإيرلندية.
لكن مع مرور الوقت بدت هذه الاعترافات وكأنها انقلبت على مروجيها، كيف لا وهي أسهمت بشكلٍ سريع بتقديم خدماتٍ مجانية للرواية الرسمية السورية عن وجود إرهاب متنقلٍ عابرٍ للدول وليس ثورة بمطالب محقة، تحديداً لأن هذه الفترة لم يكن هناك تنظيم داعش الذي يمكن تحميلهُ كل هذا الإجرام، من عملياتٍ إرهابية استهدفت المدنيين وصولاً لمحاولات السيطرة على المدن، حتى الحديث عن قيام «النظام السوري» بنفسه بهذه العمليات لتشويه الثورة بدا هزيلاً، ما اضطر الإعلام الغربي لتبرير هكذا حوادث دون نفي كاملٍ لوجود الإرهابيين، فمثلاً في آب من عام 2012 نشرت «الإكسبريس» الفرنسية تقريراً عن مهدي الحاراتي ذات نفسه، لكنها أخذت الفكرة باتجاه لوم «النظام السوري» الذي يريد استغلال وجود «بعض المتطرفين القاعديين» في المعارضة لتخويف العالم من المعارضة السورية.
هكذا بدا كل من بلحاج والحاراتي ذراعي قطر وتركيا الضاربتين بتشكيل الجماعات الجهادية حسبّ الطلب، جرى إبعاد الحاراتي وبلحاج فيما بعد عن المشهد السياسي واستبدالهما بطاقمٍ يشكّلُ حالة مدنية على طريقة برهان غليون ليكونا الذراع السياسية فيما بعد، والمتمثلة بحكومة الوفاق التي ترسخت على جثث الأبرياء الذين قضوا في الجرائم التي ارتكبها بلحاج والحاراتي وداعميهم.
للأسف تبدو هذه المعلومات وكأنها غائبة عن ذهن الكثيرين، وبالتالي فإن المعركة في ليبيا يجب ألا تبدو كمعركة للجنرال خليفة حفتر ومن معه فقط، هي معركة كل من يؤمنون بأن طرابلس هي آخر عاصمة عربية يسيطر عليها الإسلام السياسي القطري التركي، وبالتالي فإنها معركة تعني الجميع وتهم الجميع، فليبيا التي بناها الراحل معمر القذافي لن تكون إلا في المكان الذي كانت فيه طوال عقودٍ من الزمن، وعلى من يتجاهلون تحت شعاراتٍ مختلفة خطورة ما يجري استيعاب أن المليون ليبي من أصلٍ تركي الذين تحدث عنهم أردوغان وإنه جاء لحمايتهم، سيكونون مستقبلاً مليون تونسي من أصل تركي، ومليون جزائري من أصل تركي ما دامت الأذرع الإرهابية جاهزة، وغطاء الأفاعي الأملس لم يهترئ، بل أكثر من ذلك فإن استعادة الدرس السوري هي لحظاتٌ علينا أن نقف معها بموضوعيةٍ لنقول:
معركتنا هي ضد الإسلام السياسي الذي يسعى لالتهامنا واحداً تلو الآخر، إما أن نغرق جميعاً أو نقف لنقول: فلتذهبوا أنتم وصحوتكم الإسلامية إلى الجحيم!

الوطن

عدد القراءات:388

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث