كتب فؤاد مسعد في صحيفة الثورة تحت عنوان" اللا حدث.. وفخ الثرثرة في المسلسل التلفزيوني":

فخ الثلاثين حلقة الذي يقع فيه صنّاع الدراما كل عام يورطهم في ثرثرة لا طائل منها إلا استجرار حلقات قد يجدها المتابع مشدودة وفيها بعض الأحداث في الحلقات الخمس أو العشر الأولى وفي الحلقات الخمس الأخيرة لتمر حلقات المنتصف من دون أحداث وإنما كاميرا سارحة وكلام لا جدوى منه، وربما يتم تغذيتها بخطوط درامية ثانوية لا تقدم ولا تؤخر قد تسيء أحياناً للحكاية الأساسية في المسلسل وتضعف من تماسك بنيته الدرامية وتخلق حالة من التباين في الإيقاع العام للعمل ككل.

هناك من ينطلق من حدث ويحاول أن ينسج حوله خيوطاً بعدد الحلقات المطلوبة ولكنها تبدو أوهن من خيوط العنكبوت، وقد نجد موقفاً قوياً هنا أو حدثاً هاماً هناك أو خطاً ثانوياً جاذباً وسط مجموعة خطوط رئيسية فلتت من بين يدي الكاتب، إلا أن هذا لا يكفي ولا يبرر تحوّل هذه الثرثرة إلى مسلسل مؤلف من ثلاثين حلقة، لا بل هناك أعمال ظهرت فيها شخصيات وخطوط لا مبرر لها أصلاً، لا تغني ولا تقدم مقولة ولا تحمل رسالة ولا تزيد من جرعة التشويق أو المتعة، انحصرت وظيفتها بإيجاد حلول يكسب من خلالها المنتج زمناً أكبر ليصل إلى المدة المطلوبة، وبالطبع الهدف الأساسي تطويل وشط ومط المسلسل مما يؤثر على بنيته ويُظهر النص مهلهلاً ومفككاً، أما المخرج فيحاول قدر (شطارته) لملمة ما يمكن لملمته ليوحي بتماسك عمله، ولكن تأتي نتيجة هذه الأعمال عند التشخيص إصابتها بحالة من الفصام والانفصال عن الواقع، والمصيبة اليوم أن أعمالاً درامية تُعرض على الشاشة وتحمل كل هذه الثرثرة يتم الإعلان عن أجزاء قادمة لها !.

 أفضل توصيف يمكن أن يُقال عن هذه الأعمال الدرامية أنها (دراما اللا حدث)، رغم أن الحدث يعتبر أحد أهم أركان الدراما وهو أساساً للتشويق الذي ينتظره المشاهد، لا بل هو من يصنع القصة ويكوّن المنطق الحكائي لها ويغير المسارات ويخلق المحاور، ويمكن للكاتب المتمكن أن يخلق حدثه مع كل شخصية لأنه الدفة التي تغير لها مسارها وتتابع خط حياتها ويكون السبب الرئيس في أي تحوّل يصيبها، وكلما كان العمل غنياً بالأحداث جاء أقوى، فزخم الأحداث المنطقي والمُبرر درامياً يخلق حالة الإثارة والتشويق والمتعة لدى المتلقي، ولكن تكمن مصيبة تلك الأعمال في الجهد الذي يبذله كتابها لفبركة التفاصيل وافتعال الأحداث التي يزجون بها عنوة بقصد الإطالة، فتبدو عنصراً غريباً عن جسد النص وتأتي بمفعول عكسي فتساهم في اتساع الهوّة بينه وبين المشاهد وتضعف من قوة تأثيره وتأخذه نحو التشتت، وبالتالي لا بد أن يتسم من يحاول الولوج من هذا الباب بالوعي والخبرة والمعرفة والثقافة ليبني نصاً يمكن الاتكاء عليه والخروج منه بعمل هام، وليس سراً القول إن أكثر ما يشكل تهديداً حقيقياً على المسلسل التلفزيوني اليوم هو أساسه الذي يُبنى عليه (النص)، ففي الأعمال التي عرضت في رمضان ظهر جلياً في الكثير منها أن النص كان الحلقة الأضعف وسمته الاستسهال والسرعة وأحياناً الارتجال أو (اللا نص).

هذه الأوجاع وغيرها الكثير من شأنه أن تنهك جسد الدراما التلفزيونية، تلك الدراما التي تصل إلى مرتبة سفير فوق العادة، إنها سفير سورية الدرامي على الشاشات العربية وتدخل كل بيت، ورصيدها لدى الجمهور العربي قاطبة هو رصيد ثر وغني، لم يُبنَ بالمصادفة وإنما بجهد وتعب ودأب كثيرين ومن بينهم كُتاب قدّموا نصوصاً أفرزت أعمالاً باتت محطة ونقطة علّام مع تقادم السنين، وبالتالي دراما تمتلك مقومات أصيلة وعريقة وطاقات إبداعية متميزة تستطيع أن تصل إلى الأفق الذي تريد، ولكن لا بد من تحريك الساكن وتخليصها من الشوائب، وأن نقتنع بأهمية (إعطاء الخباز خبزه..) بعيداً عن الاستسهال أو الخنوع لرؤوس الأموال، وإرساء عادات وتقاليد إنتاجية لتكريسها صناعة متينة لها أسسها وقوانينها لتمسي واحدة ومن أهم الصناعات الوطنية.

 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times        

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCAycKbU4tzro_X8KRI3tzs

 

عدد القراءات:54

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث