كتب الدكتور قحطان السيوفي في صحيفة الوطن:

في تقرير صادر عن البنك الدولي بعنوان «تعزيز فعالية الحكومات وشفافيتها ومكافحة الفساد» جاء فيه إنه بمقدور الدول إحراز تقدم في مكافحة الفساد حتى في ظل أكثر الظروف صعوبة. وفي هذا السياق نؤكد بداية على أن مكافحة الفساد بجدية في الأزمات يؤدي لزيادة الإيرادات العامة الضريبية.

بعض المحللين يعزون الفساد عادة إلى عدم نزاهة النظام السياسي بسبب الحوافز الاقتصادية غير الملائمة من جهة، وإلى عدم نزاهة النظام الاقتصادي بسبب التأثير السياسي، من جهة أخرى، والعناق بين السياسة والمال، يُعرف في عصر العولمة الليبرالية الجديدة باسم الفساد المُعولم.

كان الفساد يقتصر سابقاً على دوائر عالمية مُحددة، لكنه انتشر عالمياً بحدة، ليصبح السمة المميزة في الدول المتقدمة اقتصادياً، وكذلك في الدول النامية، الفساد ازداد في زمن العولمة، التي ألغت الحدود أمام حركات تنقل السلع ورؤوس الأموال وتعززت ظاهرة الفساد عبر المجتمعات، كما أصبحت ممارسته شائعة مع غيره من أشكال الإجرام، كالاختلاس والتلاعب في العقود العامة، وإساءة استعمال السلطة، والتهرب الضريبي وغسل الأموال.

حسب البنك الدولي، بلغ حجم التدفق السنوي لأموال الفساد والتهرب من الضرائب رقماً قدره 1.6 تريليون يورو، منها عمليات التهرب من دفع الضرائب في الاتحاد الأوروبي وحده ما يقرب من 250 مليار يورو.

تقرير الأمم المتحدة لعام 2019 بعنوان: «متحدون ضد الفساد» أوضح أن قيمة الرشاوى في العالم فاقت تريليون دولار، فيما بلغت قيمة المبالغ المسروقة بطريق الفساد ما يزيد على تريليونين ونصف التريليون دولار، لتساوي 5 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي، وأن قيمة الفاقد في الدول النامية بسبب الفساد يقدر بعشرة أضعاف إجمالي مبالغ المساعدات الإنمائية المقدمة لهذه الدول على صعيد الفساد وضياع الإيرادات العامة الضريبية.

يمكن أن يكون للفساد تبعاً لمداه تأثير ضار عميق في الماليات العامة، حيث تتلقى الحكومات حصيلة أقل من إيرادات الضرائب وتسدد مدفوعات أكبر مقابل السلع والخدمات أو المشاريع الاستثمارية، لكن تكلفة الفساد أكبر من مجموع الأموال الضائعة، فالتشوهات في أولويات الإنفاق تقوّض قدرة الدولة على تعزيز النمو المستمر والشامل، إذ تستنزف الموارد العامة بعيداً عن التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، وهي أنماط الاستثمارات التي من شأنها تحسين الأداء الاقتصادي ورفع مستويات المعيشة للجميع، ولكن كيف يحد الفساد من الإيرادات؟

إن الفساد يُضر بقدرة الحكومات على جمع الضرائب بطريقة عادلة وكفوءة فكلما زاد تعقيد النظام الضريبي وغموضه، كان من الأسهل على المسؤولين ممارسة التقدير الاستنسابي والمطالبة برشاوى أو عمولات، كما أن تشويه القوانين الضريبية وفساد العاملين بالإدارة الضريبية يحدان من ثقة المواطنين بالدولة، ويضعفان رغبتهم في دفع الضرائب.

يمثل الحد من الفساد تحدياً لكنه يؤدي لزيادات كبيرة في الإيرادات الضريبية؛ فالحكومات الأقل فساداً تتلقى إيرادات ضريبية أكبر بنسبة 4 في المئة من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بالاقتصادات التي تمر بمستوى التنمية الاقتصادية نفسه ذات المستويات الأعلى من الفساد.

في عام 2003 أطلقت حكومة جورجيا حملة قوية لمكافحة الفساد وكانت النتيجة أن قفزت الإيرادات الضريبية من 12 إلى 25 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في خمسة أعوام، حتى مع انخفاض معدلات الضرائب وانعكس ذلك إيجاباً لثقافة جديدة من الامتثال الضريبي على قيام الحكومة بواجباتها ما جعل المواطنين أكثر استعداداً لدفع الضرائب وتعززت ثقتهم بالحكومة.

بالرغم من أن الفساد يمكن أن يحدث في أي مكان تقريباً إلا أنه أكثر انتشاراً في بضع بؤر تنطوي على الموارد الطبيعية، خاصة النفط والتعدين.

فالأرباح الضخمة المرتبطة باستخراج الموارد الطبيعية تمثل حوافز قوية لدفع الرشاوى، وينتشر الفساد أيضاً بين المؤسسات المملوكة للدولة خاصة في القطاعات الحيوية، مثل الطاقة والمرافق العامة والنقل، والتي تكون أقل ربحية وكفاءة في البلدان التي تعاني قدراً أكبر من الفساد.

تشير البحوث إلى أن الفساد هو أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل الشركات الخاصة تميل إلى أن تكون أكثر إنتاجية من الشركات المملوكة للدولة.

تمثل المشتريات الحكومية من السلع والخدمات بؤرة ساخنة لأنها تتضمن مبالغ مالية كبيرة؛ فالمشتريات العامة تشكل 13 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في المتوسط بين البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية التي تضم 36 اقتصاداً متقدماً، المشاريع الكبرى عادة يكون من الصعب فيها مقارنة التكاليف ومن السهل إخفاء الرشاوى وتضخيم التكاليف للتهرب من الضرائب ولهذا ترتبط جرائم الفساد الكبرى عادة بمشاريع ضخمة ومكلفة مثل البناء.

وبالمقابل من الصعب تلقي الرشاوى فيما يتعلق بأجور العاملين في مجال التعليم والرعاية الصحية. وبين البلدان منخفضة الدخل، تقل حصة الميزانية المخصصة للتعليم والصحة بمقدار الثلث في البلدان الأكثر فساداً، إذاً ما الطرق الفضلى لمكافحة الفساد؟

تتيح التغيرات السياسية الكبرى أحياناً فرصاً لإصلاحات وتحسينات طموحة ويتطلب النجاح إرادة سياسية والتزاماً بتطوير مستمر للمؤسسات وينبغي على الحكومات أن تبدأ بالمجالات ذات المخاطر الأعلى، مثل المشتريات وإدارة الإيرادات وإدارة الموارد الطبيعية ويتطلب إطار حوكمة المالية العامة أيضاً خدمة مدنية احترافية وأخلاقية كركيزة أساسية ويجب تعزيز السلوك الأخلاقي من خلال تحديد توجه واضح على مستوى القيادات إذ يتعين على الحكومات مواكبة التطور المستمر للتكنولوجيا لأن استثمار الحكومات في تقنيات المعلومات والاتصالات يُعزز الشفافية، ويحد من الرشاوى، مثال في تشيلي وكوريا تمثل أنظمة المشتريات الإلكترونية أدوات قوية لتحسين الشفافية والحد من الفساد.

كما بينت الدراسات أن الصحافة الحرة تعزز من فوائد الشفافية المالية العامة في كبح الفساد.

بجانب الجهود المبذولة لتعزيز المؤسسات المحلية للحكومات، فإن التعاون الدولي أمر بالغ الأهمية، فأكثر من 40 بلداً صارت تحرّم دفع الشركات رشاوى للفوز بأعمال تجارية في الخارج. ويمكن للحكومات اتخاذ إجراءات صارمة ضد غسل الأموال وتقليل فرص إخفاء الأموال العابرة للحدود والمشوبة بالفساد في المراكز المالية التي تفتقر إلى الشفافية.

أخيراً لابد من الإشارة لأهمية التوعية بخطورة آفة الفساد وتأثيره وبمقدور المؤسسات العمل بكفاءة لمكافحته تحت مظلة القانون، فالفساد ليس مشكلة لا حل لها، ومكافحته مهمة شاقة لكنها ضرورية لاستعادة ثقة الجمهور بالحكومات وتحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية وهي تبدأ بالإرادة السياسية المحلية، وتقوية المؤسسات وتطويرها باستمرار لتعزيز النزاهة والمساءلة، دون أن ننسى أهمية التعاون الدولي.

 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCAycKbU4tzro_X8KRI3tzsA

 

عدد القراءات:127

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث