أثارت بعض الإجراءات الجديدة التي قامت بها بعض الوزارات، مجموعة من الأسئلة لدى الكثير من المواطنين، تبدأ بعبارة، لماذا لم تُتخذ هذه الإجراءات سابقاً مادامت تصب في مصلحة المواطن والدولة في آن معاً وفي الإمكان اتخاذها؟ ولا تنتهي بالتساؤل عن ضرورة التوجيه، إذ إن مصطلح (بتوجيه) يسبق أغلبية عناوين الفعاليات بمختلف أنواعها (اقتصادية– اجتماعية– سياحية– تربوية)، وهو المصطلح الذي يثير سؤالاً أهم: لماذا يحتاج الوزير أو المحافظ أو المدير العام أو المدير توجيهاً لاستخدام صلاحياته التي يضمنها له القانون، وليقوم بما عليه القيام به من دون توجيه؟

فهل ما حدث في بعض الوزارات هو استخدام لصلاحيات لم تكن تستخدم سابقاً؟ أم إنهم استغلوا سلطات تقديرية تم منحهم إياها؟ ولماذا لا تحذو بقية الوزارات حذو زميلاتها؟

وزيرة الاقتصاد السابقة الدكتورة لمياء عاصي التي قالت: إن إصدار القوانين في سورية كما هو في بقية دول العالم، له مسار وإجراءات، ولا يستطيع رئيس وزراء أو وزير إقرار قوانين جديدة إلا وفق تسلسل معين، فيجب أن تحظى القوانين المعدة والمدروسة سلفاً في وزارة ما على نقاش وتوافق في مجلس الوزراء، ثم ترفع بعد ذلك إلى مقام الرئاسة، حيث تتم إحالتها إلى مجلس الشعب، وبعد النقاش وتصحيح الملاحظات والدفاع عنها تحت قبة البرلمان من قبل الوزير المعني، يتم رفعها إلى مقام الرئاسة لإصدارها كقانون يتم العمل به بدءاً من تاريخ نفاذه، أي إن الوزير لا يستطيع اختراع قوانين جديدة، ولكن هناك مساحة واسعة لتطبيق إجراءات وآليات جديدة ضمن القوانين الموجودة، وذلك عبر التفكير بذهنية خلاقة للارتقاء بعمل أي وزارة أو التكيف مع الظروف المستجدة التي يفرضها الواقع.

وأضافت د. عاصي أن الوزير هو أعلى سلطة إدارية في وزارته، وهو يتمتع بصلاحيات واسعة جداً ضمنها، ولا أحد يمنعه من استخدام سلطته لتحقيق أهداف الوزارة التي يحتل هو فيها أعلى الهرم الإداري، ولكن هناك بعض الحالات الملتبسة أو المتشابكة مع جهات أخرى، ويحتاج فيها الوزير إلى توجيه، وهي حالات قليلة، ولكن الحالة الأكثر شيوعاً، هي أن يلجأ المسؤول إلى توجيه، إما للتهرب من مسؤولية اتخاذ القرار أو للتغطية على حالات فساد، أو تجنباً للإحراج مع مجموعات تتضرر مصالحها نتيجة القرار، ما عدا تلك الحالات، يستطيع الوزير استخدام سلطاته الواسعة في تنفيذ السياسات التي تهم وزارته.

وعن موضوع التوجيه ، قالت الدكتورة عاصي: إن وجود ما نسميه «توجيهاً» كان بفعل الضرورة لحل عدد من المشكلات الإدارية، وتجاوز بعض المعوقات التي تواجه الوزارات والجهات العامة في عملها، وهو ليس بديلاً عن استخدام آليات العمل وطرائقه، والتوجيه يأتي من الجهة الأعلى إلى الجهات الأدنى، ويتم نقله شفهياً، كما يستخدم أحياناً لإضفاء الإلزام على بعض المهام الملتبسة أو الجديدة، وخاصة تلك التي تحتاج جهداً مشتركاً بين عدة مؤسسات أو وزارات، ويجب أن يُنفذ بسرعة عالية واهتمام كبير، وقد تكون تداعيات العمل كبيرة بحيث لا يستطيع شخص بمفرده تحمل مسؤولية نتائجها، فيأتي التوجيه لحل المشكلات الآنفة الذكر.

وغالباً ما يأتي التوجيه، كحل لتجاوز المشكلات الناجمة عن عدة أسباب منها: الضعف في الهيكلية المؤسساتية في الدولة التي لم يحصل عليها تطوير حقيقي منذ عقود، ولم تراعِ مستجدات الزمن الذي حمل متغيرات كثيرة لم تنعكس على البنية الأساسية للمؤسسات، كذلك أدى غياب الترابط بين المؤسسات والوزارات إلى أن تعمل كل مؤسسة لوحدها وكأنها جزيرة معزولة.

ومن الأسباب أيضاً ضعف استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والربط الشبكي الحقيقي وتبادل المعلومات، بما يوفر الجهد على المواطنين ويضمن دقة وصحة المعلومات المتبادلة بين الجهات العامة، ويلغي احتمالية الفساد والتزوير، إضافة إلى الالتباس في صياغة بعض القوانين، بحيث يتم تفسير النصوص حسب رغبة ومصالح بعض المديرين، أو أن تقيد بعض القوانين ببلاغات رئاسة مجلس الوزراء أو بتعليمات تنفيذية يمكن أن تفرغه من مضمونه.

إن التوجيه موجود– كما أسلفنا- في كل دول العالم بشكل أو بآخر لحالات استثنائية وقليلة وتؤثر في أمن ومصالح البلاد، أما أن يكون التوجيه هو القاعدة والعمل بالقوانين الموجودة والصلاحيات هو الاستثناء، فتلك هي المشكلة، إذ إنه في بعض الحالات قد يستخدم للتهرب من المسؤولية، وقد يستخدم كذلك لتغطية حالات الفساد الإداري، خصوصاً أن عرض المشكلة أو الحالة للحصول على التوجيه قد يصاحبه إخفاء بعض جوانب المشكلة بغية الاستفادة منه فيما بعد، ويمكن القول: إن من يحتلون المناصب العامة يرون أن الحصول على توجيه، هو الإجراء الأكثر أماناً في الحفاظ على الكرسي، وشخصياً، لم أحصل على أي توجيه في أي اتجاه أثناء وجودي في منصبي الوزاري.

الدكتور عصام التكروري قال: إن الإجابة القانونية الدقيقة عن سؤال كهذا تستوجب معرفة البُنى القانونية التي تحكم عمل كل مرفق عام، ومع ذلك فإن الإجابة لا تبدو متعذرة إذا استخدمنا معيار «رضا المواطن» للإجابة عن هذا السؤال، من زاوية علم الإدارة حالة عدم الشعور بالرضا من مستخدمي المرفق العام عن الخدمة المُقدمة يصلح مقياساً للحكم ما إذا كان المسؤول عن إدارة المرفق قد استخدم بالشكل الكافي الصلاحيات الممنوحة له بحكم القانون أم إنه تعذر عليه ذلك نتيجة أسباب خارجة عن إرادته أو بسبب عدم كفاءته، ونحن نعلم جيداً أن معيار قياس رضا المواطن شكّل حجر الزاوية للمشروع الوطني للإصلاح الإداري الذي أطلقه السيد الرئيس في 20 حزيران 2017، وفي هذا دلالة على أن رضا المواطن عن أداء المرفق العام (مشفى، مدرسة، جامعة ،مخفر شرطة، معمل… إلخ) يشير إلى أن الخدمة التي قدمتها الإدارة إلى المواطن (دافع الضرائب) كانت منسجمة مع الآلية والأهداف التي لحظها النص التشريعي (قانون، لائحة داخلية) الناظم لإدارة المرفق العام، من هنا فإن تقديم الخدمة الأمثل للمستفيد من خدمات المرفق العام تخضع في رأيي للأسس الآتية: النص التشريعي العصري، القائد الإداري المنفتح، الإمكانات المادية المعقولة، ودافع ضرائب واعٍ، بمعنى آخر أقول: إن نجاح المرفق العام بتأدية الخدمة المنوطة به هو نتيجة تضافر هذه العوامل معاً، وتالياً توافر بعضها وغياب بعضها الآخر سوف يُنتج خدمة متواضعة لا يتحمل نتائجها منفرداً المسؤول عن إدارة المرفق وإن كان وجود القائد الإداري وليس المدير يساهم إلى حد كبير بالارتقاء بجودة الخدمة حتى في حال شحّ الموارد أو جمود النص التشريعي، فالقائد الإداري وخلافاً للمدير، يتميز بقدرته على اتخاذ القرارات الصائبة بأقصر الطرق وأقل التكاليف، لكونه على إدراك تام بالأهداف العامة للمرفق الذي يديره، لذلك تراه يعمل على تطويع الأنظمة من دون أن ينتهكها، و يسعى دائماً إلى اكتشاف مواطن القوة في مؤسسته ويعمل على تطويرها وتنميتها، كما إنه يتميز ببعد النظر المستقبلي والقدرة على التخطيط.

وأوضح د. التكروري أنه يميل إلى أن يكون النص التشريعي الناظم لعمل المرفق نصاً مرناً يتيح للمسؤولين حرية حركة واسعة ويخضعهم بالوقت ذاته إلى آلية رقابة فعّالة مصحوبة بنظام مكافآت مجزية، هذا الأمر يتطلب أيضاً تحسين الوعي الضريبي لدى المواطن وتنويره إلى أن دفع الضرائب هو ثمن الخدمة الجيدة، مواطننا اليوم يعتقد أنه مغبون لجهة الخدمات التي تقدمها له المرافق العامة، إذ يعتقد أن ما يدفعه من ضرائب لا يوازي ما يحصل عليه من خدمات جيدة، هذا الأمر في جانب منه صحيح، وتحديداً في ظل الارتفاع الهائل في الضرائب.

ورأى د. التكروري أن الأمر يحتاج مزيداً من الشفافية لجهة النفقات التي تُصرف على تأمين الخدمات، وهذا الأمر يحتاج سياسة رقابية فعّالة تُقنع المواطن بأن ما يدفعه من ضرائب يتم استخدامه بالشكل الأمثل من المسؤولين القائمين على تسيير المرفق العام، والذين يتم انتقاؤهم وفقاً لمعايير القدرة والنزاهة بعيداً عن المحسوبيات والفساد.

المدير العام لمركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد) هامس زريق، أوضح أن الصلاحيات الإدارية الممنوحة للمديرين تساهم في تطوير العمل، إذ إنها تعطيهم مساحة إضافية من الحرية وتخفيف القيود والتخفيف من مركزية القرار والسرعة والاستخدام الأفضل لقدرات المديرين في الإبداع والتطوير، ولكنها في الوقت نفسه، تعني المزيد من المسؤولية، وتعد مهارة استخدام الصلاحيات من المهارات القيادية المطلوبة في تأهيل المديرين وترتبط ارتباطاً عضوياً بمهارة اتخاذ القرار.

وأشار زريق إلى أن المؤسسات الحكومية في سورية تعاني مشكلات إدارية عديدة، منها ما يتعلق باستخدام الصلاحيات، وفي العموم يمكن القول: إن علم الإدارة لا يحظى بالاهتمام الكافي، سواءً على مستوى التعليم ومناهجه، أو على مستوى التطبيق العملي على الرغم من الاهتمام العالمي المتزايد بالعلوم الإدارية والحرص الكبير على تأهيل الكوادر القيادية وامتلاكهم للمهارات الإدارية الضرورية، ويتجلى ذلك وضوحاً في معايير الانتقاء التي تهتم بالمستوى التقني التخصصي لهذه الكوادر، بأفضل الأحوال، متجاهلةً المستوى الإداري والمهارات القيادية التي يجب أن يتمتع بها المدير الناجح.

ولخص مدير عام مركز (مداد) الظواهر المتعلقة بهذه المهارة في مؤسساتنا الحكومية بثمانية بنود:

1- «تقييد الصلاحيات» من قبل الإدارات العليا، ويعزى ذلك لعدة أسباب، منها، الإيمان بمركزية القرار كطريقة مثلى في الإدارة، أو الخوف من فقدان السلطة والسيطرة على المؤسسة، أو عدم الثقة بالمرؤوسين.

2- الخوف على المنصب (الكرسي)، إذ يعتقد البعض أن عدم استخدام الصلاحيات يعفي من المسؤولية ويحافظ على المنصب الإداري، ويساعد على ذلك غياب معايير تقييم الأداء وتداخل العلاقات الشخصية معها، حيث يصبح الحفاظ على المنصب هو الغاية الأولى والأخيرة، وتصبح «الطاعة والولاء» المحدد الوحيد للأداء الجيد!

3- «الجهل»، إذ يجهل البعض حدود صلاحياتهم، ويعزى ذلك أحياناً لتقاعس المديرين عن معرفة قوانين العمل، وأحياناً أخرى لغياب الأنظمة والقوانين الموثقة التي توضح الأدوار والواجبات والحقوق المترتبة على كوادر القطاع العام، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التوثيق يمكن أن يكون غير كافٍ، نظراً لاستحالة وضع تصور كامل للحالات الإدارية التي يمكن أن تحدث أثناء العمل، وتالياً فإن تمتع المديرين وأصحاب المناصب بـ «سلطة تقديرية» أمر ضروري لضمان استمرار العمل، مع التركيز على الدور الرقابي المطلوب.

4- الاعتقاد الخاطئ بأن «الجهات العليا» تريد كذا ولا تريد كذا، هذا الأمر يمكن أن يكون عفوياً أو مقصوداً، إذ يمكن أن ينتج عن تقديرات شخصية خاطئة، أو يمكن أن يكون «ذريعة» يلجأ إليها المسؤول لتسويغ قراراته ويعفيه من تحمل المسؤولية أمام الآخرين.

5- تعيين أصحاب اختصاصات علمية وأكاديميين من دون الأخذ بالحسبان خبراتهم العملية ومؤهلاتهم الإدارية، وهي ظاهرة منتشرة بكثرة في مؤسساتنا، إذ يجد الأكاديمي نفسه غارقاً في بحر من المسؤوليات والقوانين، ما يؤدي به إلى اتخاذ قرارات خاطئة، أو تعرضه لتأثيرات سلبية من قبل الفنيين في إدارته.

6- استغلال الصلاحيات لتحقيق مصالح شخصية، وهي مدخل رئيس للفساد، ويمكن أن يدفع هذا الأمر إلى تقليص الصلاحيات بحجة عدم التسبب بالفساد، وهنا تبرز المشكلة، إذ يكمن الحل الصحيح لذلك في تفعيل دور الرقابة على مستخدمي هذه الصلاحيات ومحاسبتهم أمام القانون.

7- عدم استخدام مهارة «التفويض»، فالعديد من مديرينا ومسؤولينا يغرقون في تفاصيل العمل الإداري الصغيرة، ويتجاهلون – نتيجة انشغالهم هذا – التخطيط الاستراتيجي وتطوير أنظمة العمل وغيرهما من الأعمال المهمة، ويمكن للتفويض حل هذه المشكلة شريطة رقابة المفوض والتأكد من حسن استخدامه لهذه الصلاحيات.

8- يمكن أن يتطلب تطبيق الصلاحيات في بعض الظروف الخاصة المزيد من التشاور مع الجهات الإدارية التي يمكن أن تتأثر لتقييم منعكسات القرار، ومنع تأثيراته السلبية، وخصوصاً في زمن الحروب والكوارث.

 

تشرين

عدد القراءات:422

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث