كتب نضال بشارة في صحيفة تشرين تحت عنوان "مقابلة مع السيد آدم" مسلسل خالٍ من الإقناع معزز بتعقيم الشخصيات والأماكن!
 
صحيح أن مسلسل ” مقابلة مع السيد آدم” كتابة وإخراج “فادي سليم”، بمشاركة من “شادي كيوان” في السيناريو والحوار، قد حظي بمتابعة جيدة، أو توافقت الكثير من الآراء حول إتقان الكثير من عناصره، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه جاء بلا أخطاء، وهي ليست أية أخطاء، بل تلك التي لولاها لما استطاع كاتبه أن يكمل أحداث المسلسل، دون توافر عناصر إقناع، وبهذا الكمّ من الحلقات، ولم تنته أحداثه بل ووعدنا بجزء ثان!
 
تكريس التقاليد!
نجد أن لا ضرورة لسرد أحداث المسلسل بشكل تقليدي، بل سنذكر الخطأ كسؤال ونترك ذلك للقرّاء المشاهدين. لقد بُني المسلسل وفق نظرية شائعة أن لا جريمة كاملة ولذلك يستطيع فريق التحقيق الجنائي من كشف مرتكب الجريمة، لكن المسلسل امتلأ بأخطاء عدة، هي بمثابة ضعف درامي لدى الكاتب لتتحقق تلك النظرية، وذلك من الحلقة الأولى التي لن تخبرنا كيف استطاع المحقق “ناصر/ وسيم الرحبي”، مساعد المحقق “ورد/ محمد الأحمد” أن يعرف بدقائق من هو زوج “المغدورة /دانا جبر” ليحضره لمسرح الجريمة، ويشير إلى وجوده بسيارة الإسعاف حين حديثه بما لاحظه عن موقع الجريمة للمحقق ورد، والذي جسده ” يزن السيد”؟ فما شاهدناه يجسد مقولة ” كمن يشم على قفا يده”! لكن الكاتب نسي أن يسوّغ لنا لماذا ليس لدى القاتل ومغدورته أولاد؟ رغم إنهما تزوجا عن حب ودون إرادة أهلها منذ 3 أعوام، وأن العلاقة لم تتردَ بينهما إلاّ بعد عامين من الزواج! ناهيك عن أن الجريمة غير المشبوكة أصلاً بشكل مقنع ببقية أحداث المسلسل، بل وأساءت للعمل. فوفق ما شاهدنا لا هدف لها سوى إدانة كل فتاة تتزوج بمنأى عن موافقة أهلها، وأن زواجها غير مضمونة عواقبه، بخاصة أن الكاتب لم يخبرنا ما هو عمل الزوج، ولم يسوغ لنا لماذا توجّه إلى تعاطي المخدرات ولعب القمار؟! ما دفعه لضرب زوجته وأخذ النقود منها دائماً وبالتالي ميلها عاطفياً لمدير الشركة التي تعمل بها، وحين اكتشف الزوج ذلك قتلها! فهل أراد أن يقول احذروا الزواج بهذه الطريقة؟ دون أن يقدّم مسوغاته، فهل من وظيفة الدراما التلفزيونية نبذ علاقات الحب، وشجب كل اختراق لما هو رثّ من تقاليدنا وعاداتنا الاجتماعية أم وظيفتها التحفيز على اختراقها؟ والإجابة طبعاً ليست عصية على أغلب القرّاء المشاهدين.
 
زمرة دم
وما حدث في الجريمة الأولى تكرر بالجريمة الثانية، فلم يقنعنا المسلسل لماذا “معتصم/ السدير مسعود” و”سالي/ سلمى جلال” رغم أنهما يعرفان بعضهما بعضاً من أيام الدراسة الجامعية ويحبان بعضهما، وتعمل لديه منذ عامين، لكن لم يتزوجا !! فكم عاماً يجب أن يدرس الشريك شريكه ليرتبط به؟ كان حرياً بالكاتب المخرج أن يخفف الزمن بالعلاقة بين الطرفين لنقتنع كمشاهدين بعدم الارتباط. وبدأت نقاط الضعف تزداد منذ أن أهمل المحقق ورد تحليل الدم الذي وجدوه في بيت ” عاصم/ كرم الشعراني” إذ يكفي أن يعرف زمرة الدم ليطابقها مع زمرة دم عاصم الموجودة حتماً في ذاتيته ليكتشف خلّبيّة جريمة قتله، ولا حاجة به لتحليل الـ DNA التي تأخر كثيراً حتى طلب القيام به. واستغراب “رئيس الفرع/ أكرم الحلبي” من هذا الطلب متسائلاً ما الذي ستستفيده؟ يدفعنا لرسم أكثر من إشارة تعجب!!. وما حصل في الحلقة الأولى تكرر لاحقاً إذ اهتدى المحقق ورد إلى منزل “أبو جبري/ حسين عباس” بسرعة فائقة بعد أن علم بجريمة قتله، وذهب ليعاين موقع الجريمة؟ وليس بين يديه سوى اسمه ونبذة عن أفعاله وصورة له وفيديو من داخل منزله لحظة الشنق، كما صوره “د. فاوست”، رغم أن أمثال أبو جبري يبدلون أماكن سكنهم بكثرة من باب الحرص على ذاتهم! فكيف تحقق لورد ذلك بسرعة فائقة؟ مع أن ما يتمتع به من ذكاء كان يجب أن يكون دافعاً لينتبه إلى أن تقرير د. آدم لا يحمل توقيعه وأن يسأله عن هذا أمام رئيس الفرع الذي استدعاه في الحلقة 12 فأي طبيب ليتحمل المسؤولية يوقع ويختم حتى الوصفة الطبية لمرضاه فكيف بتقرير تشريح جثة، فهذه مسألة ثانية كان يجب أن لا تغيب عن المحقق الذي صدعنا المسلسل بذكائه، لكنها أُهِملت عن قصد، كي يزداد عدد حلقات المسلسل!
 
تعقيم بالجملة 
ولكي لا تقولوا سادتي القرّاء أنني أتحامل على المسلسل أدعوكم لتأمل الشخصيات التالية وكيف بترها الكاتب اجتماعياً (عاصم، أبو جبري، د. رامي) وهذا ما سهّل دخول “د.آدم/ غسان مسعود” لمنازلهم وتعذيب الأول والثاني وخطفهما، فهو لم يقتلهما، ومن ثم استطاع ابنه ” يوسف/ لجين اسماعيل من قتل ” د. رامي/ كفاح الخوص”. فهل لو كانت تلك الشخصيات متأهلة وهي بعمر يفرض ذلك، وليست عازبة دون مسوغات لم يقدمها الكاتب، كانت ستتيسر أحداث المسلسل كما شاهدنا؟ ولم يكتف الكاتب بهؤلاء فهو أيضاً بتر اجتماعياً المحامي “جبران/ شادي الصفدي” ومديرة مكتب صاحبة شركة البيك ” رنا جرداق” ليسّهل العلاقة الغرامية بينهما التي دافعها من المحامي الحصول على ما يريد من أخبار الشركة وغريمته المحامية ” ديالا/ رنا شميس”. كما جعل الكاتب صاحبة الشركة “أم معتصم/ كارمن لبّس” تنام في حالة سفر ابنها وحدها في فيلا كبيرة، رغم عدم منطقية ذلك وفق المتعارف عليه، ليسهّل دخول آدم إليها ومن ثم يخطفها!. كما تلاحظون أن الصحفية ” ريهام/ سوزان الوز” التي خصصنا أخطاء رسم شخصيتها بمقالة منفردة، عازبة، وكذلك ” “د. ريتا/ تولين البكري”، و” مصطفى / مصطفى المصطفى” عازب، دون أن يقدّم الكاتب مسوغات درامية لبقاء تلك الشخصيات دون زواج رغم عدم صغر سنهم. حتى أنهم بدون أصدقاء أو صديقات! فما هذه المصادفة، هل كل الأشخاص المنحرفين سلوكياً أو يرتكبون جرائم هم عازبون؟!. ولم ينس الكاتب – المخرج تعقّيم الأمكنة من الناس، ومن دوريات شرطة المرور ليساعد د.آدم على نقل جثمان ابنته من حارته في دمشق القديمة، مروراً بأوستراد المزة باتجاه طريق بيروت وصولاً للضيعة ودفنها دون أن يراهم أحد، كما عقّم القرية أيضاً فلا أحد انتبه للدفن ولا للضريح، ولا لوجودهم حتى غير المعتاد بالقرية !
 
ترفّ فكري
وبما أن المسلسل مكتنز بأخطاء فنية، قد لا حظها الكثير من المشاهدين، نعفي القارئ من ذكرها. لكن بعد كل ما سلف هل سيتابع المشاهدون الجزء الثاني؟ أستطيع الزعم أنه سيفقد نسبة كبيرة من مشاهديه لأنه خيّب آمالهم بعدم قفل أحداثه بجزء واحد. والسبب الأهم في ظني أن ما عرض له المسلسل، تحت وطأة ما يعيشه الناس طوال عشر سنوات من حرب وموت بالعشرات يومياً وغلاء معيشة وتفاقم للفساد في كل مناحي الحياة، سيخفض ذلك من شغفهم لمتابعة كيفية تحول المرء لقاتل إما دفاعاً عن حياته، في حالة معتصم الذي قتل بدون قصد، وبالتالي ما فعله من إجرام بحق سالي ليخفي ما فعله كحماية لذاته، سواء كان ذلك مشروعاً أم لا. كما لن يهمهم تحول د. آدم الجاهل بكيف له أن يهتدي لزمن طباعة آخر مستند “وورد” إلى قاتل أو لشخص يوهمنا بالقتل انتقاماً لابنته التي تعرضت للخطف ومن ثم للموت، بعد أن يعد لأجل ذلك ملفات بالصوت والصورة وبكل إتقان.
 
أخيراً، بعيداً عن قصة الفساد التي حضرت متأخرة جداً في المسلسل، سيجد المشاهدون أن ما تناوله المسلسل، إن كنا لا نحمّله فوق ما يحتمل دلالياً، ليس أكثر من ترف “فكري”، وهو موضوعٌ بمنأى عن اهتماماتهم، رغم كل تفاعلهم مع العناصر الفنية للمسلسل وفي مقدمتها الأداء المتقن من أغلب فريق التمثيل.
 
 
 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times        

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCAycKbU4tzro_X8KRI3tzsA

 

 

عدد القراءات:237

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث