كتب ديب علي حسن  في صحيفة الثورة:

عام دراسي بدأ، ملايين التلاميذ توجهوا إلى مدارسهم على امتداد الجغرافية السورية، مشهد صباحي يشي بكل ألوان الحياة، لا تكاد ترى درباً أو شارعاً يخلو من طفل أو يافع يغذ السير إلى مدرسته، من عمر الندى ورقة النسمة براعم تتهادى في موكب ينتظم تارة، ويفترق تارة أخرى.

وإذا ما قيض لك صباحاً أن تمعن النظر لدقائق وتتأمل لتغسل ما علق بك من أوضار الأمس وبقايا ضغط من عمل، وربما من قنوط ويأس تظنه يرنو دهراً، تأمل هؤلاء التلاميذ فستجد نفسك في عوالم الغد، في أفق أخضر يبرعم، تقرأ ما يخطه الوطن لغدك، لغد أبنائك، ما يعيد بناءه، سبع سنوات من الحرب علينا، ظن الكثيرون أنها سوف تكسر إرادة الحياة وتهشم كل صورة، لكن ظنونهم كانت ضروباً من الوهم، فالشعب الذي لم ينقطع طلابه ولم تتغلق مدارسه، ولا جامعاته يوماً واحداً، وما زالت مشافيه وستبقى، معامله، مصانعه، منشآته، تمدنا بأسباب الحياة والقوة والصلابة، وتدفعنا إلى صناعة الحياة.‏

وطن يعرف العالم كله أن أطفاله يغدون إلى رياضهم، ومدارسهم، يرددون نشيد الحياة والصباح، وطن هؤلاء أبناؤه، جديرون بكل الاحتفاء والحب والأمل، جديرون بمعلم ومدرس، وأستاذ جامعي، يعرفون كيف يبنون، ويرسمون مدى العمر النقي، على عتبات هذا العام الدراسي، مع كل مواسم الأمل وملامحه، لا يمكن للمرء ألا يقف عند بعض ما ينغص ويثير ألف سؤال وسؤال.‏

ماذا عن الدروس الخصوصية، وماذا عن رسوم التسجيل في رياض الأطفال، وقد غدت أكثر من تكلفة طالب جامعي في مرحلة التعليم الموازي، لماذا، ومن قال إن التربية ليست رسالة مقدسة؟‏

كيف يرضى معلم، أو مدرس أن يمد يده ليقبض ثمن درس خصوصي من تلميذ أو طالب عنده في صفه، في مدرسته؟ أليس من حق الطالب عليه أن يكون نعم المدرس والمربي، ومن حق المدرس أيضاً أن يكون محفوظ الكرامة، لا يحتاج إلى أن يعمل ليلاً نهاراً ليسد جزءاً من احتياجات الحياة، ولا مفر من الدروس الخصوصية..؟‏

أليست مسؤولية الحكومة التي تعد وتخطط وتنفق المليارات من أجل إعادة الإعمار وتنسى اللبنة الأساسية بذلك، المعلم المتروك على هامش الاهتمام، هل من التفاتة جديرة بالتقدير. ما ينفق اليوم على تحسين واقعه المادي هو الاستثمار الأمثل والأنقى، ألم يقل القائد المؤسس: المعلمون بناة حقيقيون، لأنهم يبنون الإنسان، والإنسان غاية الحياة.‏

في ذاكرتي، وأنا أرى حفيدتي تحمل حقيبتها إلى المدرسة، صورة ذلك المعلم الذي وقف أمام مجموعة من الرجال، وكلهم يسأل عن ابنه، وحين سأل أبي رحمه الله، المعلم عني، نظر إلي المعلم مبتسماً، رد: تلميذ جيد، ولم أكن جيداً فعلاً، كانت نقطة التحول الكبرى بحياتي، كيف للمعلم أن يحفظ ماء وجه أبي، ولا أرد له الجميل؟‏

في الذاكرة صورة ذلك المعلم الذي كان يزور بيوت القرية بيتاً بيتاً ليتابع ما يقوم به طلابه ويساعدهم، يوجههم، وفي الذاكرة آلاف الحكايا والقصص عن معلمين بكل أرجاء الجغرافيا السورية، يشعر المرء أمامها بالفخر، ولولا هؤلاء ما كان هذا الصمود.‏

معلمون كل عام وأنتم بخير، وكفى فخراً أن الرسول بعث معلماً، صحيح أن الكلام الجميل لا يصرف، لكن الأصح أنكم غدنا، وبنيان يعلو ويعلو، مستقبلنا رهن صناعتكم، وعلى أمل أن نرى من يمد اليد الحانية.‏

 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

 

عدد القراءات:87

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث