خاص بتوقيت دمشق _ فاطمة فاضل
تتكاثر القضايا والظواهر غير المألوفة في المجتمع كلّما زاد التوتر في نسيجه أو تفاقمت مشكلاته من أي جهة وناحية كانت.
ولا ريب أن المراهقين هم الطرف الأكثر تأثراً وشتاتاً في أي نزاع يحصل سواء في الأسرة الصغيرة أو المجتمع وهو الذي يمثل الأسرة الأكبر.

لن نطيل عليكم الشرح فالظاهرة التي نتكلم عنها تغزو فكر أطفالنا بشكل خطير، "المخدرات" بشتى أنواعها تسيطر هذا العصر عليهم سواء عن طريق شبكة الانترنت أو رفاق السوء أو أي طرف اّخر، والأخطر من ذلك بكثير هي طريقة "التعاطي" فالموت واحد ولكن أشكاله تعددت، لا سيما إذا كانت طريقة متوفرة ورخيصة الثمن "كعلبة الشعلة" التي أدمنها بعض الأطفال عن طريق الشم.


قد يستخف البعض من بساطة الفكرة، ولكن الإدمان عليها ليس بيوم واحد بل مع الأيام قد يصل الطفل لحالة ميؤوس منها دون وعيه ودون دراية أولياء الأمر بما حصل، وتحدث الكارثة غير المرغوبة حينها.
خطورة مادة الشعلة تكمن بتركيبتها الكيميائية القاتلة، فهي تنتمي لمجموعة مذيبات عضوية متطايرة، وإدمان شمّها يسبب تلف الجهاز العصبي وتدميره، إضافة للأضرار النفسية والصداع المزمن والالتهابات الجلدية، واضطراب في الإدراك للألوان والأصوات وأشكال الأشياء، ويصاب المدمن بنوع من الهلوسة في الرؤية أو السمع؛ أي أنه يتوهم رؤية بعض الأجسام أو يسمع بعض الأصوات التي لا أصل لها، وتنتقل هذه المواد الكيماوية بسرعة كبيرة للدماغ مسببة تدمير بالخلايا المسؤولة عن التنفس ما يؤدي الى أزمات تنفسية حادة قد تنتهي أحياناً بالموت، ويستمر الشعور بفقدان الإحساس أو النشوة لمدة تتراوح بين 15 الى 45 دقيقة.


في لقائنا الوحيد ولأسباب خاصة تتعلق بالأطفال وذويهم، تحدث لموقع "بتوقيت دمشق" الطفل رامي.ن والذي أدمن على "شم الشعلة" ولكنه خضع للعلاج بعد معرفة الأهل بالموضوع وعاد الى حالته الطبيعية.
وفي التفاصيل أكد الطفل رامي البالغ من العمر 13 عاماً أنه شعر بلذة ونشوة لمدة تتراوح بين 20 الى 30 دقيقة فهو لم يشعر بالوقت بشكل دقيق، ولم يذكر من الأمر إلا وجوده في حديقة عامة مع عدد من أصدقاء المدرسة و بدأوا بتعاطي المادة واحد تلو الاّخر ولم يشعروا إلا بعد مرور نصف ساعة أو أكثر بقليل بوجودهم في مكان اّخر يفترشون الرصيف، بعضهم غط في نوم عميق والبعض الاّخر كان في حالة مذرية.
وتابع الطفل.. كنا نتغيب عن الحصص الدرسية أو نذهب بعد المدرسة الى الحديقة والتي كانت غالباً مقرّنا السري، ونقوم بشم الشعلة كل منا في "كيس" مخصص نفرغ محتويات العلبة فيه لعدم لفت الأنظار إلينا، وذلك وفق ما رأيناه في أحد الفيديوهات على اليوتيوب، ونتيجة لروعة الحالة التي كنا نمر بها، استمرينا بذلك، وخاصة أن سعر المادة رخيص جداً ومن السهل الحصول عليها يومياً، و تابعنا ذلك الفعل ل3 أشهر كاملة مرتين او ثلالثة في الأسبوع، والبعض من زملائي كانوا يقومون بذلك يومياً.
الدور الأكبر في الكشف عن تلك القضية كان هنا لوالديه اللذان لاحظا علامات من الدهشة الدائمة على وجهه والشرود الكثير وعدم التركيز، فما كان من والده إلا مراقبة ابنه وبعد عدة أيام قبض عليه متلبساً في ذات الحديقة، و قام بنقله فوراً الى مركز الرعاية ومعالجة الإدمان، وتحسن الطفل على إثر العلاج وعاد الى حالته الطبيعية ولازالت المراقبة لوضعه مستمرة.


لكن المأساة الكبرى هي وجود عدد كبير من الأهالي غير المهتمين لأبنائهم أو غير مثقفين كفاية لإدراك تلك الأمور الخطيرة، ورغم قيام عدة فرق ومنظمات بإطلاق حملات توعية للاّباء والأطفال بمحاولة لمكافحة هذه الظاهرة وإيقافها، إلّا أن أطراف السوء ووسائل التواصل الاجتماعي كانت الطرف الأقوى في ذلك، لاسيما توفر المادة في كل مكان وبسعر زهيد جداً، ويتم اللجوء إليها كونها تعطي ذات التأثير الذي تقدمه المخدرات النظامية من حالة الشرود وفقدان الإدراك والنشوة "الزهزهة" و الإثارة الجنسية.


القانون السوري لم ينص في أي من مواده على وجود عقوبة أو تجريم للمدمن على "شم المذيبات والمركبات الطيارة" من "اسيتون، بنزين، مازوت، طلاء الأظافر...".
فالدور الأكبر إذاً يلقى عاتق المدارس السورية، والتي عليها التوجه الى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، والعمل على نشر ثقافة خطورة الإدمان وتعريف الطلاب بالمواد المذيبة ومدى تأثيرها السلبي على صحة الجسم والدماغ.


أما بالنسبة لعلاج هذه النوع من الإدمان فهو يتم بمصحات علاج إدمان المخدرات ذاتها، وبسرية تامة، وباهتمام فائق بالمدمن، بجميع مراحل العلاج كما تتم متابعته لفترة معينة بعد تخريجه من المركز العلاجي، حتى يتم التأكد من عودته لممارسة حياته بشكل طبيعي وسليم.

ولعل غياب الرعاية الأسرية و عدم مراقبة المراهق في نشاطاته وما يتابعه على الانترنت وعدم اهتمام الاّباء باختيارات أبنائهم لرفاق المدرسة وغيرها الكثير سبب قوي للانحراف، وخاصة في سن المراهقة وهو العمر الأكثر حساسية في حياة الإنسان كونه سن تكوين الشخصية، لا سيما أن المراهق قد يرى في الإدمان قوة ورجولة وتحدي أمام أقرانه أو اقتداءً بأبطال الأفلام التي تستهويهم، لذلك يجب حشد كل الطاقات لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد أطفالنا من بدايته، والتعامل السريع والجاد مع تداعياته.

عدد القراءات:813

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث