كتب فراس عزيز ديب في صحيفة الوطن:

كان كافياً أن تسألهُ: هل تعتقِد أن قراراً بالإجماع اتّخذَ للتخلصِ من رجب طيب أردوغان؟ ليجيب: وهل كنتَ تعتقد قبل أسابيع أن (الرئيس) بشار الأسد سيصِل بقواتهِ إلى الحدود مع تركيا من دون أن يُطلِق رصاصة؟
هكذا ردَّت إحدى المرجعيات الأمنية الأوروبية على تساؤلاتٍ حول حقيقة الموقف الأوروبي مما يجري الآن من تحولاتٍ في المنطقة، تحولاتٌ بدا الأوروبيون وكأنَّهم الخاسرَ الأكبر منها، لأنهم قبِلوا أساساً أن يلعبوا أدواراً ثانوية بعيداً عن المكانةِ والقوة التي ورثوها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
بدا الأوروبيون وهم يرمقون ما يجري في الشمال السوري من عدوانٍ تركي على المدنيين كمن يعيشُ صراعَ الحياة أو الموت مع رجب طيب أردوغان، هم يدركون تماماً أن الوهن الأوروبي لا رجعةَ عنهُ طالما أن الأميركي منحاز من دون ترددٍ إلى تركيا العدالة والتنمية. لكن بذات الوقت لنعترف أن تركيا العدالة والتنمية ومنذ أن رفعت رايةَ الاتجار بكل شيءٍ بما فيه دماء الأبرياء، سرَّعت من عمليةِ انكشاف الأوروبي بما يعانيهِ هذا الاتحاد من وهن لدرجةٍ لا يمكنه فيها حتى الصمود في وجهِ التهديدات الأردوغانية بإغراقهم باللاجئين أولاً، أو حتى اللعب بالورقة الأمنية داخل الاتحاد الأوروبي ثانياً والمقاربة هنا بسيطة:
إذا كان الإرهابيون الأوروبيون المنتمون لداعش هم داخل السجون لدى ميليشيا قوات سورية الديمقراطية المنحلة، فماذا عن غير الأوروبيين؟ السؤال لم يعد بافتراضِ إن كان أردوغان سيرسلهم إلى العمق الأوروبي، السؤال متى سنبدأ البحث عنهم داخل أراضينا وما هي الآلية اللازمة لفكِّ شيفرة محكمة الإغلاق من المعلومات؟
الصحوة الأوروبية بدَت وكأنَّها متأخِّرة كثيراً لدرجةٍ ظهرَ فيها الأوروبيون كمن يحاول اللحاق بركبِ التفاهمات المتدحرجة لا البحث عن المصالح الأمنية أو الجيواقتصادية طويلة المدى. صحوةٌ كانت لها علامات فارقة لم نعتد عليها سابقاً، فأن يصبح على الإعلام الفرنسي مثلاً وبرمشةِ عينٍ مصطلح «ميليشيا الأسد» هو الجيش السوري النظامي والمنقذ للأكراد فهذا تحولٌ بحد ذاته، أن يتم إفراد حلقاتٍ عن جرائم الميليشيا التي تحارِب تحت رايةِ العثمانيين الجدد فهو كذلك الأمر تحول، ناهيكَ عن لغةِ الإدانات والتهديدات التي أجمعَت عليها كل الدول الأوروبية في سابقة تبدو مثيرة للاهتمام. على هذا الأساس بدا الأوروبيون وكأنهم تعلموا درساً مما جرى معَ حلفاء أميركا في الشمال السوري، فعندما خُيِّر الأميركيون بينهم وبين تركيا اختار الأميركيون تركيا لكن بشروطهم، اليوم يبدو أن الأوروبيين بطريقهم لعرضِ ذات الصفقة مع الأميركيين: نحن أو تركيا؟
مشكلة التركي أنه قطع مع الأوروبيين كل حبال الوّد ولم يترك لنفسهِ خطَّ رجعةٍ، بدا وكأنه يتقمصَ قوة الشخصية الاقتصادية التي يمتلكها الروس في التعاطي مع الأوروبيين، لكن كيف ذلك واقتصاده أساساً يترنح لمجردِ تغريدةٍ ترامبية على التويتر؟
أرادَ أن يتقمصَ قوة الشخصية السياسية السورية بحريةِ القرار والذي يتجسد بالكلام الرسمي السوري عن أوروبا ودورها الهامشي وإصرار القيادة السورية على شروطٍ للتعاون، منها عودة العلاقات الدبلوماسية ورفع العقوبات، ليبدو أردوغان كمن يرفض لقاء المسؤولين الأميركيين عند آذان المغرب ويعود لقبولِ لقائهم عند آذان العشاء.
هذا الترنح الأردوغاني ليس بسببِ عامل القوة الأوروبي، لكنه بذات الوقت تأكيد أن ما يعانيهِ رجب طيب أردوغان بات أبعدَ من مجردِ وهنٍ في رؤية المستقبل، في ظل تضاؤل عدد «الخصوم» وارتفاع عدد» الأعداء»، وشتان في السياسة بين الخصم والعدو عندها يصبح السؤال المنطقي: إذاً لماذا أرسل دونالد ترامب مبعوثيه للقاء أردوغان؟
يبدو هذا السؤال منطقياً، لكن في الإطار العام علينا قبل أن ننسحِر بظاهرِ الصور أن نتعمق بباطنِ الكلام، عندها فقط قد تتجلى الحقيقة ناصعة. كان من الطبيعي أن تسارع القنوات الإخبارية الممولة من قطر وتركيا للتركيز على فكرة أن رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان استقبل ضيوفه الأميركيين بتجهمٍ وعبوس، أرادوا تدوير الزوايا للبحث عن مجردِ انتصارٍ معنوي يزيح عن كاهل المجرم أردوغان كثرة التناقضات التي عاشها في الأيام السابقة، لكن بذاتِ الوقت كان اللقاء أشبهَ بحاجةٍ أميركية كنوعٍ من تبييضِ صفحتها تحديداً بما يتعلق بالحلفاء، فكان هذا التراجع الأميركي ولو تكتيكياً أشبهَ بقنبلةٍ صوتية سينتهي مفعولها في الساعات القادمة لا أكثر، لأننا إن اعتقدنا عكس ذلك فعلينا أن نسألَ أنفسنا:
منذ متى تقوم الولايات المتحدة بنشرِ نصوص الرسائل الموجهة عبر المبعوثين الرسميين؟ ما هو الاتفاق وكيف يمكن له أن يُسمى اتفاقاً على أرضٍ ليست تركية؟ حتى حديث رجب طيب أردوغان نفسهِ لم يخلُ من هذه التناقضات، فهو عملياً يريد أن يضم لمناطقِ احتلالهِ وعدوانهِ الرقة ودير الزور والحسكة وهذا يعني أن المساحة التي يريدها هي خارج سياق الأحداث أساساً وبعيدة عما يتم تسويقه من اتفاق تركي ـ أميركي، لذلك إن أردتم استشراق الآتي لا تنظروا لحفلةِ الزجل التي تمت في تركيا بل عليكم التركيز بما جرى في دمشق؛ صورة وبيان، فكيف ذلك؟
لم تكن الزيارة التي قامَ بها ألكسندر لافرنتييف مبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دمشق ولقاؤهِ بالرئيس بشار الأسد بالزيارة الاعتيادية، إن كان من حيث التوقيت أو مارشحَ عن المباحثات والتي يمكننا استقراء أهميتها من البيان الذي أصدرتهُ رئاسة الجمهورية العربية السورية، تحديداً من خلال الحديث عن نقطتينِ جوهريتين:
أولاً: تحدث البيان عن أن لافرنتييف وضع الرئيس بشار الأسد بصورة النتائج التي تمخضت عنها زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة لكل من السعودية والإمارات. في الواقع لايبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مضطراً أن يضع الرئيس السوري بشار الأسد بنتائج زيارتهِ إلى كل من السعودية والإمارات، لكن فيما يبدو أن ماحملهُ لافرينتيف كان بالأهمية ليس فقط لإدراجه ضمن المباحثات لكن ليتم إدراجه في البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية العربية السورية، هذا يعني أن الرئيس بوتين يرى نفسهِ قادراً أن يلعبَ دور الوسيط في استعادةِ العلاقة بين السعودية والإمارات من جهة وسورية من جهة ثانية. هذه الاستعادة لم تعد كما يبدو ودونها العديد من العوائق أهمها العائق الأميركي الذي بدا فيهِ الرئيس دونالد ترامب واضحاً: طالما أنكم تدفعون ثمنَ حمايتكم لتتصالحوا أو تتخاصموا مع من تشاؤون!
عودة العلاقات هذه قد تبدو عملياً صفعة بوجهِ النظام التركي تحديداً بعد أن اكتشف الجميع أن هذا النظام لن يوفر أي دولة عربية من «النزعة العثمانية»، وبذات الوقت تبدو في الإطار العام فرصة للروسي لتعويم قدرته على فرضِ نفسه كوسيطٍ لما هو أبعد، فهل تكون العلاقة السعودية ـ الإيرانية هي التالي؟
ثانياً: تأكيدَ المؤكَّد، إذ كرر الوفد الروسي دعم بلادهِ الراسخ لسيادةِ سورية ووحدةِ أراضيها ومساعدتها للقضاءِ على ما تبقى من بؤرٍ إرهابية، واستعادة السيطرة على كافة الأراضي وفي مقدمتها (جميع المناطق الحدودية). الحديث عن المعابر الحدودية يعني التركي فقط قولاً واحداً، القضية هنا ليست فقط رفضاً لما يجري من محاولاتٍ تركية لرفعِ سقف التوقعات بما يريدونه في المنطقة الآمنة لكنه ببساطة يعطينا رسماً توضيحياً لمسارِ المباحثات القادمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب أردوغان يوم الثلاثاء القادم، يعني باختصار أن كل ما يقوم به التركي في الشمال السوري واتفاقاته مع الأميركيين لا تعدو كونها تأجيلاً للمواجهة أو التراجع لا أكثر ولا أقل، هنا على التركي أن يتعظ من الأمثلة السابقة:
في العام 2012 أسقطت المضادات الأرضية السورية طائرة تركية مُقاتلة فوق السواحل السورية، يومها جُن جنون أردوغان وراح يطالب الناتو بحمايتهِ والدخول معه في معركة ضد سورية تطبيقاً للمادة الخامسة من ميثاق الناتو، كان رد الدول الأعضاء واضحاً:
ليس بإمكاننا تفعيل العمل بهذه المادة كون الطائرة التركية دخلت الأجواء السورية ولم يتم إسقاطها في الأجواء التركية، وهذا لا يعني وجودَ اعتداء. اليوم يبدو الوضع أكثر سوءاً بالنسبةِ للسلطان العثماني، فمن كان يتهرب من مساعدتهِ بات اليوم يطالب بإقصائهِ من الحلف، هل وصلت الرسالة؟
من المؤكد ستصل، لكن اللافت هذه المرة أن من أنقذه في المرة الماضية هم من سيوصلون له الرسائل، أي انقلاب في الحال يعيشه ذلك الأرعن؟ لننتظر ونرى؟ وتذكروا أن العلم السوري الآن يرفرف فوق «عين العرب»، من كان يحلم؟!

 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times        

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCAycKbU4tzro_X8KRI3tzsA

 

عدد القراءات:132

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث