كتب عماد خالد الحطبة في صحيفة تشرين:

ثلاثة أحداث شغلت الإعلام خلال الأسبوع الماضي، أولها كان تسارع الاتصالات العربية مع دمشق، والتي بدأت مع الزيارة المفاجئة للرئيس عمر البشير إلى دمشق، وما تلاها من افتتاح سفارة الإمارات، وانتهاءً بالتسريبات عن قبول السعودية بعودة الجمهورية العربية السورية إلى جامعة الدول العربية.
ثم جاء الإعلان عن دخول الجيش العربي السوري إلى مدينة منبج، ورفع العلم السوري فيها، ما يشكل ضربة قاصمة للمخطط الأميركي– التركي في المنطقة، والذي عبّر عنه إعلان الانسحاب الأمريكي من سورية و«ترك سورية لتركيا»، حسب تعبير الرئيس دونالد ترامب.
خبر ثالث تبدو أهميته محلية، لكنه ترك أثراً لدى المتابعين، ألا وهو خبر إصدار القانون 46 الذي ينص على إعفاء المزارعين السوريين من الفوائد العقدية وغرامات التأخير على قروضهم للمصرف الزراعي السوري. هذا الخبر حاز اهتماماً شعبياً في الكثير من الدول المجاورة، التي يعاني مزارعوها من تراكم الديون وضعف الإمكانات الإنتاجية، ففي الأردن مثلاً يطول التهديد بالسجن حوالي 18 ألف مزارع، بسبب تراكم الديون الزراعية وعدم القدرة على سدادها.
يمكن قراءة هذه الأخبار كلٌّ على حدة، لكن النظرة المتأنية ترى روابط تجمعها، وتضعها في سياق واحد، فسورية التي قبلت، من دون ضجة، استقبال عمر البشير وفتح السفارة الإماراتية، سربت من خلال المصادر الدبلوماسية نفسها أنها لن تتقدم بطلب العودة إلى جامعة الدول العربية، ليس إنكاراً أو انتقاصاً من العروبة، ولكنه موقف ممن اعتقد أن العرب يمكن أن يكونوا يوماً عرباً من دون سورية، لقد أعلنت سورية منذ اليوم الأول للحرب عليها، أنها تفرق بين الأنظمة العربية والشعوب العربية، لذلك أبقت أبوابها وصدرها مفتوحين أمام كل عربي، ولم تفرض على أي عربي الحصول على تأشيرة لدخول أراضيها، وعدت نفسها، وهي كذلك، أم العروبة وقلبها النابض كما سماها الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وقالت: إن موقفها العروبي من كل قضايا الأمة هو السبب وراء الحرب التي تشن عليها، لذلك فمن الطبيعي أن تقبل الجمهورية العربية السورية افتتاح سفارة أي دولة عربية على أراضيها، لأن السفارات مراكز خدمة للمواطنين تسهّل سفرهم ومعاملاتهم، وتمتن أواصر العلاقات فيما بينهم، وتبادل السفراء لا يعبر عن موقف سياسي، تقدماً أو تراجعاً، وكلنا يذكر كيف ظلت السفارات مفتوحة وعاملة بين الشرق والغرب حتى في أوج الحرب الباردة.
وسورية التي أعلنت عشرات المرات أن الأزمة لن تنتهي إلا باستعادة الدولة السورية سيادتها على كل شبر من أراضي سورية، قام جيشها بالواجب المنوط به وتقدم نحو مدينة منبج، مستغلاً حالة الارتباك التي سادت المعسكر المعادي بعد قرار ترامب بالانسحاب من الأراضي السورية. وبالتعاون مع أهالي المنطقة، وبعض القوى العسكرية الكردية الموجودة على الأرض، والتي خشيت أن يكون مصيرها كمصير القوات المدافعة عن عفرين، فدخل المدينة سِلماً، في حركة فاجأت الجيش التركي الذي كان يستقدم التعزيزات إلى الحدود التركية السورية، ما قضى عملياً على أي أطماع تركية في منطقة غرب الفرات، كما أن هذا الإنجاز الذي يضاف إلى سلسلة الإنجازات العسكرية التي حققها الجيش العربي السوري خلال العامين الأخيرين، جعل مَنْ تآمر على سورية من الأنظمة العربية يدرك عقم تكرار المحاولة، ناهيك بارتفاع تكلفتها، خاصة في ظل تراجع أسعار النفط، لذلك فإن كل نصر عربي سوري يحققه الجيش، يجعل هؤلاء المتآمرين يبحثون عن مخرج للمأزق الذي أدخلوا أنفسهم به، وخاصة بعد ترسخ سياسة ترامب الخارجية القائمة على الحماية مقابل الأموال، وهو ما لم تَعُد دول الخليج قادرة على توفيره.
منذ بداية الحرب على سورية، أدركت القيادة السورية أنها تواجه حرباً رُصدت لها المليارات من الدولارات، وأعقد أجهزة التجسس، وأحدث الأسلحة، وعملت على قيادة هذه الحرب أعتى أجهزة المخابرات، التي شكّلت غرف عمليات في دول الجوار، وفي مراكزها في الدول الغربية، كما أدركت القيادة السورية أن لا قِبل لها على مواجهة كل ذلك بشروط العدو، فاختارت الحل الأصعب وهو الصمود في وجه العاصفة، قام هذا الخيار على ثلاث دعائم: القيادة، الجيش، والشعب. فالقيادة تعرضت لضغوط سياسية هائلة من الأعداء.. والأصدقاء أحياناً، لكنها لم تقدم أي تنازل يمس السيادة السورية مهما كان ضئيلاً، وثبتت على موقفها طوال ثماني سنوات ما أجبر الجميع على الرضوخ لشروطها، والتي كان في مقدمها وقف الإرهاب واستعادة السيادة على كل شبر من أراضي سورية، أما الجيش العربي السوري فكان صمام الأمان الذي لم يتوان عن تقديم التضحيات في كل مناسبة، وتسطير قصص صمود لن ينساها التاريخ، مثلما حدث في مطار أبو الضهور، ومستشفى الكندي في حلب، وسجن حلب ودير الزور ومطار الثعلة وعشرات القصص الأخرى، أما الشعب السوري الذي تعرض للتشريد على يد الإرهابيين، وطحنته الأوضاع الاقتصادية التي نجمت عن الحرب والحصار، فقد قدمت له القيادة كل الإمكانات التي تساعده على الصمود، وفتحت أبواب المصالحات وأبواب العودة لمن اضطروا إلى ترك وطنهم، واتخذت مجموعة من القرارات الاقتصادية التي تعزز الصمود الشعبي، لعل آخرها إصدار الموازنة العامة لعام 2019 من دون عجز، وتخصيص مبالغ لخلق 69 ألف وظيفة جديدة.
إن المتأمل في القانون 46 الذي يعفي المزارعين من فوائد القروض وغرامات التأخير، لا بد من أن يلحظ أن القانون قد استثنى من كانت مديونيتهم فوق 5 ملايين ليرة سورية، ما يعني أنه قانون موجّه لمصلحة أصحاب الحيازات المتوسطة والصغيرة، وهؤلاء هم من تحملوا أعباء الحرب وزجوا بأبنائهم في أتون المعركة، مقدمين أرواحهم فداء لوطنهم، لكن القانون لم يكن مكافأة بقدر ما عكس نظرة استراتيجية مدركة لدور الأعمال الصغيرة والمتوسطة في خلق فرص العمل ورفد الاقتصاد الوطني، وبشكل خاص في القطاع الزراعي الذي يشكل الاكتفاء الذاتي فيه واحداً من مقومات الصمود، ناهيك بقدرته على استجلاب العملة الصعبة من خلال التصدير.
الخيط الذي يربط الأحداث جميعاً، هو الدرس لكل متخاذل في الوقت نفسه، أن ما يصنع النصر ليس التراجع أمام قوة العدو، وليس التفاوض والتنازل، لكنه الصمود القائم على ثوابت استراتيجية، والاستعداد لدفع الثمن اللازم، عندها يتحول تمريغ أنف قوة العدو بالتراب إلى أغنية ترددها النسوة على قبور الشهداء، ويبقى عز العرب أوله دمشق.

عدد القراءات:276

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث