خاص بتوقيت دمشق
كتب ماهر سنجر دكتوراه في الادارة الاستراتيجية الدولية:

من يتابع منهجية الاقتصاد السوري يمكن له أن يلحظ بأن التوجه الاساسي لهذا الاقتصاد يكمن بعدم الاستدانة من المؤسسات الدولية بل على العكس كان التنسيق مع الدول الحليفة هو مفتاح اساسي لدعم الاقتصاد وتمهيد الطريق الاكتفاء الذاتي كما أن سورية اتبعت وصفة أخذ المفيد لحين اختبار بيئة العمل فعملت على الاستفادة من تقارير المؤسسات الدولية كتحسين بيئة الأعمال ورفع مهارات العاملين وإنشاء محاكم مصرفية متخصصة وغيرها.

من يتابع المشهد الدولي لن يستغرب من متابعة وكالة الاستخبارات الأمريكية حجم الدين العالمي وأن تصدر التقارير والاحصائيات لحجم الدين لكل دولة على وجه الأرض وخاصة الديون المتحصل عليها من صندوق النقد الدولي وأن تقوم بمقارنتها لحجم الإنتاج المحلي لكل دولة وأن ترتب هذه الدول بترتيب خاص حسب معايير الوكالة نفسها.

تغرق الدول الناشئة اليوم  أكثر فأكثر في الديون المتحصلة من المؤسسات الدولية ظنا منها بأنها قادرة على توجيه هذه الديون إلى العملية الإنتاجية وعملية التنمية لكنها واهمة فتجربة البرازيل واليونان وحتى أفغانستان ولبنان حاضرة أمام الجميع فلم تستطع هذه الدول تنفيذ عملية التنمية ووجدت نفسها غارقة في مزيد من الديون مع فارق  وحيد بالتجربة التركية فدائماً ما كانت الشروط تفرض من قبل صندوق النقد الدولي على جميع الدول إلا في التجربة التركية فاستطاع الأتراك أن يفرضوا شروطهم على صندوق النقد. من وجهة نظر خاصة كانت غاية الصندوق من لعب دور خاسر لرابح في المفاوضات مع الأتراك آنذاك هو تعزيز دور حزب العدالة والتنمية في تحسين الإقتصاد التركي وتقوية سلطته والنتائج منظورة اليوم فنفس الديون التي استخدمت للإصلاح الإقتصادي هي اليوم حبل البئر الذي نهدد بقطعه أو لفه على رقبة الإقتصاد التركي والتهديد بإسقاط الليرة التركية وعودتها لجيل الأصفار الكثيرة.

تلعب ديون المؤسسات الدولية أحيانا دور الدافع إلى الانتحار فهناك من يود الانتحار لكنه بإنتظار من يدفعه عن الجرف ليسقط ويقال بأن هناك من دفعه إلى ذلك، لكن الحقيقة المرة بأن معظم الدول الناشئة هي من أوصلت نفسها إلى الجرف وهي نفسها استدعت من يقوم بدفعها عن الجرف لاهمالها الاقتصاد المحلي والاهتمام بتحقيق مؤشرات لا تسمن السؤال المهم لماذا لا تركز وكالة الاستخبارات الأمريكية في تقاريرها على حجم استدانة الدول من بعضها بنفس قدر التركيز على الاستدانة من صندوق النقد الدولي؟

ببساطة أنقذ الاتحاد الأوروبي بعض من أعضائه من خلال صندوق الانقاذ الأوروبي الذي دعم بعض الدول مثل اليونان والبرتغال وقبرص الذين لم تنقذهم ديون صندوق النقد الدولي على الرغم من الإلتزام الشديد بتعليماته.

تحتاج الحروب الناعمة والفوضى الخلاقة إلى بيئة حاضنة اقتصادية وحجج وتبريرات سياسية غير مقنعة لمعاداة أي دولة وهذا ما دفع الاتحاد الأوروبي لإنشاء صندوق الانقاذ بعد احتجاجات اليونان وليس من المصادفة أن يكون رئيس البنك الدولي خلال السنوات الماضية من الجنسية الأوروبية رغم أن انتقاء الرئيس لا يستند إلى الجنسية والغاية من ذلك تشجيع الدول الأوروبية على الاستدانة من الصندوق بدل اللجوء إلى بعضها وبالتالي السم القاتل لليورو ولاقتصاد هذه الدول وليس من المصادفة أيضاً أن تستقدم المحامية الفرنسية من صندوق النقد لتعين في البنك المركزي الأوروبي.

أحيانا يمكن أن تكون استدانة الدول من بعضها  أفضل من الاستدانة من المؤسسات الدولية وذلك لعدة أسباب نوجزها كما يلي:

- ستنخفض قدرة الدول المسيطرة على المؤسسات الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة من الضغط ساعة ما أرادت على الدول المستدينة وستفقد البيئة الاقتصادية الحاضنة للفوضى الخلاقة أحد أهم عناصرها وهو وصفة مؤشرات صندوق النقد الدولي وأداة لي الذراع المتمثلة بالديون بالإضافة الى احتمالية  شطب بعض أو كل  الدين ما بين الدول.

-إمكانية سداد الديون ما بين الدول على شكل منتجات مما يعني مزيد من العمل والانتاجية لدى الدول المستدينة.

- نشوء توجهات سياسية وتحالفات إقتصادية لا تخدم مصالح الدول ذات السيطرة على المؤسسات الدولية.

- الإعتماد على المواطن الحقيقي والحلفاء لا يسمح للفوضى الخلاقة بالانتشار ويقيض من عائداتها على كافة المستويات.

إضافة الى سورية هناك الكثير من الدول التي نهجت خط الابتعاد عن ديون المؤسسات الدولية  فعربياً فما كان من ليبيا الغنية بالنفط إلا أن تبدأ مشوارها في التنمية الداخلية كرفع إنتاجية قطاع الزراعة وتطوير البنى التحتية الداعمة للاستثمار ودوليا جهدت الصين وروسيا على بناء اقتصاد مستقل بعيد عن ديون الفوضى.

لا يسعنى اليوم إلا المطالبة بتأسيس جملة من صناديق الإنقاذ المحلية لكل القطاعات الاستراتيجية والحيوية في سورية ولنتيقظ للمتغيرات الاقتصادية التي تحدث حولنا ولننتبه من قلق وكالة الاستخبارات الأمريكية على ديون الدول لأن المبدأ لدى هكذا وكالات  "أنا قلق إذا أنا أفكر بالفوضى والحروب"

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times        

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCAycKbU4tzro_X8KRI3tzsA

عدد القراءات:2584

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث