تحت عنوان "زعيمُ عصابة ووريثٌ فاسد شخصيتان دراميتان يصعب الحكم عليهما أخلاقياً!" كتبت لبنى شاكر في " تشرين"

يعود الولد المُبعد منذ أعوام إلى قصر والده للمشاركة في جنازة أخيه، وفي ذهنه تصدّر الواجهة السياسية والحزبية في لبنان، تعويضاً على الأقل لسنوات أمضاها بعيداً عن بلده بعدما فارقت أمه الحياة. هكذا تبدأ الحكاية في مسلسل «خمسة ونص» للمخرج فيليب أسمر والكاتبة إيمان السعيد، ليتضح لاحقاً أن «غمار» وهي الشخصية التي يقدمها الفنان قصي خولي تنوي الاستحواذ على إرث العائلة السياسي انتقاماً لما نالها من أذيّة.

يتمكن الشاب من لفت أنظار الناس عبر لقطة صحفية تتنبأ بقصة حب تجمعه مع طبيبة القصر حيث تعيش عائلته، وتتالى الأحداث كاشفة خفايا صاحبها الباحث عن كرسي في مجلس النواب، لكونه الوريث الوحيد لعائلة ثرية اعتادت ملاحقة الصحفيين وعدسات المصورين، وهو ما يتعايش معه «غمار» وينجح في توظيفه أمام الرأي المحلي المعجب بالثنائيات الشابة المميزة، لذا سيخدع الطبيبة متظاهراً بمشاعر الحب تجاهها وسيتمكن أيضاً من خداع والده الراغب بحماية حصاده السياسي على مشارف العمر.

يتكئ خولي على بحة في صوته وابتسامة شبه مُلازمة له، إضافة إلى انفعالات مفاجئة تُفصح عن غضب كامن وحقد يتجدد عبر حلقات العمل، ففي استحضاره مقتل أمه على يد أبيه ثم ادعاء انتحارها يستشعر المشاهد شيئاً من ضعف مؤلم، تحوّل مع الزمن إلى رغبة في رفع الظلم، تفاقمت حتى وصلت إلى حالة مضادة يُظهرها العمل شيئاً فشيئاً مع أن غمار ليس المحرّك الوحيد للصراع فيه، وكثيراً ما يتأثر في مجرياته ويبدو عاجزاً أمامها، لكنه يظهر في المقابل قادراً على الاختيار في أقواله وأفعاله عدة مرات، وهو ما يوضح طبيعته النفسية كإنسان لا يُبالي بإيذاء من حوله وخيانتهم بالرغم من كونه ضحية، ومن ثم ما يقوم به من استغلال نفوذه لتمرير صفقات فاسدة.

هكذا يندمج الشاب الباحث عن المال والشهرة في عوالم حياة المشاهير بما فيها من مواكب سيارات فارهة، وكذلك حراس شخصيون ووشاة، خدم ومربو أطفال، خيانات ورشــــاوى، ليبدو جــزءاً من كـل هــذا.

أداء خولي في «خمسة ونص» ذكّرنا بأدائه في مسلسل «غزلان في غابة الذئاب» للمخرجة رشا شربتجي، الذي عُرض عام 2006 لجهة الشخصية الإشكالية إن صح التعبير، فـ «غمار» و«سامر» يبنيان أفعالهما على رؤى ووجهة نظر وقيم تفرضها الظروف المحيطة بوصفها دوافع محركة للشخصية التي ما إن تتفاعل معها وتتصرف استناداً إليها حتى تحكم على نفسها وتسمح للآخرين بالحكم عليها، ومن ثم لا تعني إدانتها أخلاقياً، نفور المشاهد منها إطلاقاً، ولاسيما عندما يأتي أداؤها متقناً ومسوغاً ضمن بيئته.

هذا ينطبق أيضاً على شخصية «جبل» التي يؤديها الفنان تيم حسن للعام الثالث في مسلسل «الهيبة» للمخرج سامر برقاوي والكاتب باسم السلكا، فرجل العصابات يعيش في عالمين مختلفين، يتقن في الأول حروب الزعامات والعمل مع مهربي السلاح والمخدرات، لكنه ينتصر في الوقت نفسه لحماية عائلته وأهل منطقته والفتاة التي يحبها، في هذا المنطق نستوعب تلّون الشخصية في جزئها الثالث وانحرافها نوعاً ما عن الشكل الذي ظهرت عليه في جزءيها الأول والثاني، من ذلك وقوعه في حب الإعلامية نور رحمة وما يستعيده في حوار تلفزيوني عن رغبة طفولية قديمة بزيارة مدينة الملاهي برفقة والدته، وهو ما يبدو مُستغرباً من زعيم عصابة، وإن كان مؤثراً في الوقت نفسه.

تبعاً لهذا كله سيكون لدينا أكثر من سبب للشعور بالتباين بين المدافع عن حقوق الناس والراغب بواقع أفضل لهم كما تُصرّح الشخصية، والمعني كذلك بتأمين شحنات الأسلحة عبر حدود منطقته، فهل يمكن وصف «جبل» بالإنسان السيئ وفقاً لبعض سلوكياته أم هو شخص جيد ظلمته بيئته وفقاً لسلوكيات مناقضة؟، وهل ينطبق هذا على من تحكي عنهم نشرات الأخبار من لصوص وقتلة؟.

يقول الفيلسوف أرسطو توضيحاً لأهمية القيم في حياة الشخصية «إن العامل الجوهري الذي يبني الشخصية؛ هو أولاً وقبل كل شيء القيم الإنسانية التي تفصح عنها الأفعال»، وهذا يعلل سبب تكراره دائماً أنه «لن تكون هناك شخصية، إلا إذا كان هناك اختيار، لأن ما تختاره الشخصية سواء تجلى في الفعل أو القول إنما يحدد نوعيتها».

وعلى هذا فإن أي شخصية تكون مؤثرة أو ناجحة درامياً عندما تكون هي بذاتها مصدر تلك الاختيارات التي تؤلف طبيعتها، وهنا تبرز شخصيتا «غمار» و«جبل» اللتان مرّ بناؤهما بخطوات عديدة من بينها الاشتغال على المشاعر والرغبات يليها التفكير ثم اتخاذ القرار، وغيرها الكثير مما يدفع الشخصية لأي تصرف، لنكون أمام شخصيتين يصعب الحكم عليهما قيمياً وأخلاقياً عبر أداء احترافي متكامل يُطوع فيها الجسد بسهولة من المشية إلى نبرة الصوت، حتى يمكن القول إن «غمار» و«جبل» دوران لا يمكن إعطاؤهما لممثلين سوى قصي خولي وتيم حسن.

 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCQQjIoPJ_xT0EQDpfPTFKm

 

 

عدد القراءات:123

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث