كتب نبيه البرجي في صحيفة الوطن....
باريس حائرة بين دبلوماسية الفيلة، كما لو أننا لا نزال في حضرة «المسألة الشرقية»، وكما لو أنها تتناسى غروب الإمبراطوريات الهرمة على ضفاف السويس، ودبلوماسية القردة، وحيث الاستنساخ الكاريكاتوري للمواقف وللسياسات الأميركية.
ولتسقط كل الفلسفات وكل القيم التي أنتجتها، أو انفجرت في ظلها، الثورة الفرنسية!
منذ اليوم الأول للأزمة في سورية، بدت فرنسا، فرنسا مالرو، وفولتير، ومونتسكيو، كما لو أنها القهرمانة في البلاط الأميركي. لعلكم تذكرون الثنائي روبرت فورد وإيريك شوفالييه، وقد تلاشى الاثنان في مهب الهباء.
حتى عندما توجه الأميركيون إلى شرق الفرات لحقت بهم وحدات فرنسية ما حمل أكثر من كاتب على التساؤل عن «ذلك العشق الأعمى لقطّاع الطرق». لطالما سخروا، خلال الخريف المنصرم من إيمانويل ماكرون وهو يحاول الالتفاف على دونالد ترامب بـخيوط العنكبوت.
خطوة في حديقة البيت الأبيض وخطوة في الهواء. أي سياسة خارجية لسيد الإليزيه الذي لم يتمكن من تنفيذ أي من وعوده الكبرى، هو الآتي من الأرقام الكبرى، إبان حملته الانتخابية؟
العديد من الصحف كتب، لدى اندلاع تظاهرات السترات الصفراء، عن «سياسات القهقرى». «سياسات التقهقر» إن شئتم..
من زمان تحدث أندريه فونتين عن «العقدة الفرويدية» حيال دمشق. تلك اللحظات في ميسلون حين لم يتجرأ الجنرال غورو، وهو بطل المارن، على النظر إلى عيني يوسف العظمة، حتى وهما مقفلتان. حتماً، لم ير في كل المعارك التي خاضها مثيلاً لرجل وصفه جان لاكوتور بـ«النمر الذي من نار».
أيضاً، تلك اللحظات أمام ضريح صلاح الدين. أي جنرال ذاك الذي «يتكلم من حذائه» في حضرة الموتى، كما لو أنه آت للثأر من رجل رحل عن هذه الدنيا منذ أكثر من سبعة قرون؟
اذاً، إستراتيجية الفتات. حين كان الإرهاب يضرب في باريس، كان هناك من يذكّر الإليزيه بما قاله الرئيس بشار الأسد، وهو الذي يعلم كيف تشابكت الأيدي القذرة على ضفتي الأطلسي مع المغول الجدد، على أن سورية هي المدخل الاحتفالي إلى القرن التاسع عشر.
هؤلاء الذين يدركون أن عقارب الساعة في سورية لا تعود إلى الوراء. حقاً، أي دبلوماسية الآن حين يكون إيمانويل ماكرون ظلاً باهتاً لدونالد ترامب، وحين يكون جان ـ ايف لودريان ظلاً باهتاً لمايك بومبيو؟
ابحثوا عن فرنسا وسط ذلك الركام الأميركي. ألم يكن الأجدى لها أن تتخلى عن الدور الببغائي نفسه، وتمد يدها إلى دمشق التي تخرج، بكل بهائها، من ليل البرابرة، وكان طويلاً وشاقاً، إلى ليل الياسمين؟
نعلم كيف يتم اللعب، في الأقبية، مع رجب طيب أردوغان. لا، ليس الغرام الفرنسي بالسلطنة، وإنما بحثاً عن دور، وإن على باب الباب العالي الذي ما زال، بأصابعه المحترقة، يعبث حتى بورقة التوت. العودة، خاوي الوفاض، إلى قصر يلدز، مكلفة ومدمرة، بعدما سقطت لعبة الأقنعة، وسقط رجال الأقنعة.
المايسترو الأميركي، العراب الأميركي، لن يبقى هناك. أليست دبلوماسية المافيات؟
ماذا يحدث الآن غير ذلك، إن على مسرح الشرق الأوسط، أم على أي مسرح آخر؟ في نهاية المطاف، الجميع يطلقون النار على رؤوس الجميع.
أجل، هذا الذي يحدث الآن، والذي يحدث غداً، السيد الأميركي يرحل ظله يرحل.

عدد القراءات:208

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث