أكثر من ثلاث سنوات قضاها كل من شروق و إسماعيل و بدور في الأسر في سجن حارم بعدما اختطفتهم الجماعات الإرهابية المسلحة أثناء خروجهم من قريتهم اشتبرق بعدما دخلتها تلك المجموعات وعانوا القهر والظلم ما يكفي ليخرجوا معلنين بداية حياة جديدة تطغى عليها الإرادة والتصميم على تحقيق ما يريدون، ليكونوا بإصرارهم جزءاً من حكاية سورية عظيمة.
العلم سلاحنا
لم يكن من السهل أن تتأقلم بدور سامر جراد 22 سنة مع التلاميذ في المدرسة التي ارتادتها بعد تحررها من الخطف هي التي خسرت من عمرها أكثر من ثلاث سنوات توقفت خلال تلك السنوات عن الدراسة والتعليم سوى الدروس الدينية التي كان تتلى عليها مع المختطفين في السجن تقول بدور: لم أرغب بعد أن تحررت من الأسر دخول المدرسة بل أخذت نفساً طويلاً قرابة العام حتى قررت بعد إلحاح والدتي وبعد قناعتي بأنه يجب أن أفعل شيئاً دخلت المدرسة، بكيت كثيراً وتحسرت على ما فاتني من سنوات وكنت أجلس مع تلاميذ أصغر مني بأربع سنوات ولكن تعاطف وتفهم زملائي في المدرسة والصف وتشجيع المدرسين وتعاونهم واهتمامهم بي أعاد لي الثقة بنفسي وبقدرتي على المتابعة.
بدور التي تعيش في منزل جديها في سقوبين في اللاذقية كان عليها أن تعتني بإخوتها السبعة التي تكبرهم جميعاً وتهتم بواجباتهم المدرسية وبتنظيف المنزل إضافة للطبخ حيث كانت والدتها تعمل طوال النهار لتعيل هؤلاء الأبناء الذين تركهم لها زوج لم تعرف عن حاله شيئاً وفقد أثناء الهجوم على قريتهم، تقول: لم تتجاوز ساعات دراستي منذ بداية العام الدراسي وحتى موعد الامتحان الأربع ساعات إذ كان الاهتمام بدراسة إخوتي يأخذ كل وقتي كنت أدرس آخر الليل، وبهذا حصلت على مجموع وقدره 174 في الفرع الأدبي، وأقول إن العلم هو سلاحنا الوحيد لنقف في وجه الظلم والإرهاب وبعلمنا ونجاحنا نحمي بلدنا.
بالإرادة والتصميم
عشرة أيام كانت كافية وكفيلة حتى يلتقط الشاب إسماعيل العبد أنفاسه ويستجمع قواه بعد ثلاث سنوات ونصف السنة من الأسر و يتابع تعليمه، فلم يتردد في تحقيق هدفه حتى تفوق وحصل على مجموع وقدره 232.2 في الشهادة الثانوية الفرع العلمي، هو الذي خسر أربع سنوات من عمره في الأسر بعدما اختطفته الجماعات الإرهابية المسلحة مع أفراد عائلته من قريته اشتبرق إذ عانى خلال تلك السنوات من الظلم و العذاب ما يكفي فكان يقضي وغيره من المختطفين وقتهم بالحفر والعمل الشاق المتعب الذي يجبرهم على فعله الإرهابيون، ويقول إسماعيل: إذا كان لديك الإرادة والتصميم ستصل إلى هدفك.. لم يكن الأمر بتك السهولة فالتعب كبير والجهد مضاعف والوقت ليس ملكي إذ نظمت وقتي و كانت ساعات الدراسة من أول يوم عدت به إلى المدرسة لا تقل عن 12 ساعة دراسة وتضاعفت في شهر الامتحان، والفضل لما أنا فيه الآن هو للأساتذة الذين ساندوني وشجعوني و كانوا معي من أول يوم سواء في المعهد الذي التحقت به لأعوض ما فاتني من معلومات أو في المدرسة حيث الرعاية الاهتمام والاحترام من قبل الكادر التدريسي، وعن سنوات الأسر، يقول إسماعيل: بعدما تعرضت قريتنا للهجوم من قبل المسلحين حاول من في القرية الخروج منها و لكن حوصرنا من المسلحين، ويتابع: بعد خمسة أشهر خرج والدي وبقيت وحيداً أنا وخالتي وعانينا كما عانى بقية أهلنا وأبناء قريتنا، وعشنا أقسى اللحظات التي لا نذكر منها غير الظلم والقهر، ويتابع: بعد أن تحررت لم يكن في ذهني سوى متابعة تعليمي فجمعت قواي و بدأت الدراسة.


من قهرها صنعت نجاحها
كرمى لدماء والدها الشهيد حسان فخرو ودماء إخوتها الشهداء الثلاثة الصغار (أحمد ومحمد وغروب) أرادت العلم فنالت درجاته 278 درجة في شهادة التعليم الأساسي، وبرغم الغصة التي في قلبها على فراقهم وعلى حال والدتها المصابة التي تعيلها ورغم وضعها الصحي السيىء نتيجة إصابتها في يدها وساقها التي جعلتها تمشي على عكازين لم تفتر عزيمتها أبداً لتشرق شروق بعد ثلاث سنوات وأسبوع من الأسر وتقول أنا موجودة.
لم تكن سنوات الأسر التي عاشتها وما فيها من عذاب وقهر لتقلل من صلابة وعزيمة المحررة الشابة شروق حسان فخرو من قرية اشتبرق التي تغلبت على جراحها وبرغم العمليات الست التي خضعت لها في ساقها ويدها والتي لم تكلل بالنجاح و إجرائها آخر عملية قبل امتحان مادة الرياضيات بيومين، وصلت إلى نجاح لم يستطع أي شاب أو شابة من أقرانها أن يصله، وتقول شروق: الصبر والإرادة والوضع الصحي والمعيشي السيىء دفعني لهذا النجاح وكذلك أمي المصابة المتعبة التي تعمل لتعيلني وتدفع إيجار الغرفة التي نتقاسمها مع آخرين.
وتتابع شروق: بداية المشوار كان صعباً جداً وخصوصاً أنني تأخرت عن زملائي في المدرسة فاستجمعت قواي وبدأت من أول يوم دخلت فيه المدرسة بالدراسة مدة 10 ساعات يومياً وخلال الامتحان وصلت إلى 20 ساعة دراسة وما زاد من تعبي هو عملية تطعيم للعظم التي أجريت لي قبل مادة الرياضيات بيومين، ولكن بالتصميم على النجاح ومساعدة أساتذتي الذين قدموا ما يملكون خلال عام كامل استطعت التغلب على تلك الصعاب.
فيهم الصبر والإرادة
علاء كفر قطاري- متطوع في منطقة الدعتور منذ 7 سنوات لخدمة من خرج من الأسر وذوي الشهداء والجرحى وكان المتابع لشروق وبدور وإسماعيل لحظة بلحظة قال: رأيت فيهم الصبر والإرادة التي يفتقدها الكثيرون في حياتهم، ومن مبدأ وإن لم تستطع أن تقدم المال قدم العلم كانت انطلاقتي معهم فهم لديهم من الإرادة ما يكفي فساندتهم بكل ما أملك وساعدني بذلك نخبة من الأساتذة في المدرسة وخارجها، بدورهم حققوا نصراً على الظلم والإرهاب وأكدوا بذلك للجميع أنهم أبناء الشمس، أبناء الحياة.
مظهر حضاري
هؤلاء هم السوريون ما بين الحرب والخوف والدمار والاستمرار، برغم الظروف أصروا على متابعة الدرب ومواصلة مسار الحياة متحملين أقسى ما جلبته عليهم يد الغدر والإرهاب والتآمر على بلدهم بهذا بدأت المستشار الأسري الدكتورة في التنمية والإعلام- سلوى شعبان حديثها وأشارت إلى تمسك هؤلاء بالحياة من خلال صبرهم و إصرارهم على تحدي الصعاب قائلة: أبناؤها الذين رووا تراب الوطن بدماء طهرهم ليتابع من تمسك بالحياة درب العلم والنور تحدوا النار في الطرقات وتحدوا القنص والرصاص وهدير الغدر وتابعوا السير لمدارسهم وجامعاتهم لكيلا يسرح غربان الظلام بيننا، فهناك في أماكن كثيرة طالتها يد الإرهاب خطف شباب وطلاب واغتيل علماء وبقي مصير الكثيرين مجهولاً حتى الآن من نساء وأطفال وشيوخ. وما إن تم العمل على تحرير العديد من طلابنا وأبنائنا وكما تربوا على درب العلم والتعلم تابعوا سيرهم لينهلوا النور لأرواحهم وليكملوا تلقي العلوم والفكر والمحبة التي تليق بوجودهم.
قدوة يحتذى بها
حرصت سورية منذ التصحيح لتكون بلد العلم والازدهار والتقدم، البلد الخالي من الأمية فرسخت بين أبنائها حب العلم وتقديس الفكر كما تقول شعبان، وأضافت: لا غريب علينا أن يحصد الشكر والثناء من خرج من دهاليز الأسر والاعتقال والتعذيب ولم يتلوث دماغه بالجهل والرجوع للخلف، وترى د.شعبان أنه مظهر حضاري وإنساني أن نرى جميع هؤلاء الطلبة وهم يحملون كتبهم ودفاترهم ليسطروا بريق الشمس على جباههم فالنور لا يقبل الظلام، والأبيض لا يرضى أن يتلوث بالسواد، طوبى لمن أحب الحياة وقدم لها من روحه ليتلألأ عظمة وسمواً. وختمت قولها: نعم هؤلاء مثال وقدوة يحتذى بهم عبر الأجيال، إنهم صورة اجتماعية نفتخر بها، حياتنا مملوءة بالكثير من الصور الإيجابية التي حمت بلادنا من التدهور والدمار الفكري.