خاص || بتوقيت دمشق بقلم: علي رضا الحسيني

شهدت تركيا تحولات عدة فبعد سقوط الدولة العثمانية وفي عام 1923 وقعت تركيا معاهدة لوزان مع دول الحلفاء عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى ونصت على بنود منها إلغاء الخلافة وإعلان علمانية الدولة و منع تركيا من التنقيب عن النفط، إضافة الى جعل مضيق البوسفور (الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط) ممراً دولياً لا يحق لتركيا فرض رسوم على السفن والبواخر المارة على أن تكون مدة المعاهدة مئة عام.
أصبحت تركيا جمهورية علمانية سيطر الجيش فيها بصفته حامي العلمانية وتدخل في الحياة السياسية بشكل واضح فحدثت انقلابات عدة أطاحت بالحكومات ثم بحلول عام 2000 م رجح الباحثون أن مرحلة جديدة بدأت في تركيا لكنهم اختلفوا في تحديد ملامحها فمنهم من رأى أنها تجمع بين العلمانية والإسلامية وبعضهم رأى انتهاء عهد قديم انحسرت فيه سيطرة الجيش في حين آخرون مرحلة انتقالية تمهد لسيطرة اردوغان المطلقة.
وصل حزب العدالة والتنمية الذي أسسه اردوغان إلى السلطة عام 2002 م بعد فوزه في الانتخابات النيابية وهو حزب محافظ ليبرالي يتبنى رأسمالية السوق وقد أكد أنه لا يعارض العلمانية ومبادئ قيام الجمهورية التركية ويؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.
وطبل وزمر الحزب بمبادئه التي قيل أنه يؤمن بها كأن يكون مكسبه هو الجمهورية وأن السيادة تأتي اشتراطاً مع الوطن كما يؤمن بالقرارات العامة بهدف الوصول إلى الحضارة الحديثة التي وصفها مصطفى كمال أتاتورك " .
لم ينص في مبادئه ولا في شعاراته السعي إلى إقامة الشريعة وبناء الخلافة من جديد، إلا أن الواقع لم يكن كذلك ولم يطبق هذه البنود إلا على الورق، فكانت جميع شعاراته الرنانة تلقى في الخطابات فقط، أما الفعل يكون العكس تماماً، فتركيا هي التي دعمت علناً الإرهاب ومولته وحضنته في أراضيها على الحدود مع سورية.
اردوغان بدأ بإجراء سلسلة من التغييرات مثل: تعديلات طفيفة على الدستور مرة في عام 2011 م وأخرى عام 2017 م لكن بقي الدستور ينص على أن "الجمهورية التركية جمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية ... والولاء لقومية أتاتورك ... "
كذلك استفتاء بتاريخ 16 /04/ 20017 م على تغيير شكل الحكم من برلماني إلى رئاسي وجرت الموافقة عليه بنسبة 51,41 بالمئة وقد تم التأكيد على أن التغييرات لن تؤدي إلى التخلي عن نظام الحكم العلماني إنما هو انتقال للصلاحيات من رئيس الوزراء إلى رئيس الجمهورية.
يبدو أن تغييراً ما حصل في طبيعة العلمانية وكيفية ممارستها
فالعلمانية بعد حكم اتاتورك واسلافه كانت معادية للدين أغلقت المؤسسات الدينية ومنعت الحجاب وكل مظاهر التدين أي فصل كامل للحياة العامة في المجتمع والدولة عن الدين.
وفي عهد أردوغان الذي نادى بالعلمانية نرى أنها ليست في طريقها إلى الزوال في بلاده بعد التغييرات التي حصلت في الحياة السياسية والاقتصادية.

وفق استطلاع للرأي اجراه مركز بيو للأبحاث في نيسان عام 2015 فإن 13 بالمئة من الأتراك يؤيدون تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بينما 38 بالمئة أن الدولة يجب أن تتبع هذه الأحكام ولكن دون فرضها بصرامة بينما يرفض 36 بالمئة تطبيق أحكام الشريعة.
وإذا نظرت إلى الحياة العامة تجد الدين مفصولاً عند كثير من الأتراك فبعضهم يصلي ويصوم ولامانع عنده من ممارسة الجنس خارج الزواج والمصاحبة وشرب المشروبات الروحية وأخذ قرض ربوي ومسألة تعدد الزوجات ممنوعة فقوانين الزواج والأحوال الشخصية مدنية غربية.
طبعاً لا يعني وجود مظاهر للتدين هنا وهناك والدولة لا تمنع أي من تلك المظاهر.
النظام الاقتصادي خاصة البنوك والجمارك والضرائب وكذلك نظام العمل وأسلوب المعيشة وأداء الشركات والمؤسسات سواء في قطاع الدولة والقطاع الخاص كل ذلك وفق النمط الأوروبي.
توجد مسألة أخرى تتعلق بمستقبل تركيا وهي الهدف أو الحلم 2023 م وهو عبارة عن شعار طرحه حزب العدالة والتنمية ينص على أن تركيا القديمة سوف ينتهي عهدها وستظهر تركيا الجديدة
ففي عام 2023 م ستنتهي مدة معاهدة لوزان المفروضة على تركيا وما فيها من قيود على الدولة والاقتصاد، الهدف هو بحسب أردوغان الصعود بتركيا إلى مصاف الدول العشرة الكبرى اقتصادياً في العالم أي مثلاً رفع الدخل السنوي للفرد من 12 ألف دولار حاليا إلى 25 ألف دولار وجذب أكثر من 50 مليون سائح ورفع قيمة الصادرات ...
الهدف الاقتصادي له علاقة مباشرة بالسياسة والجغرافيا والأوضاع العامة إن تحقيقه يتطلب خلق ظروفاً مناسبة مرتبطة بشبكة العلاقات والمصالح.
في السياسة الخارجية وضع اتاتورك مبدأ يقوم على أن كل ما يحيط بتركيا أعداء وشاركت تركيا في تأسيس حلف شمال الأطلسي وأجرت سلسلة طويلة من المفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي أعلن ترشيح تركيا كعضو فيه، حسب معايير محددة تشمل كل مناحي الحياة وعلى تركيا توفيرها كواقع معاش وفعلا تمكنت من تحقيق كثير منها وكان الاتحاد الأوروبي بدوره يساعد ويراقب ويعد التقارير حول تلك المعايير وبقيت عدة قضايا معلقة بين تركيا وأوروبا وظهرت خلافات تعمقت مع مرور الزمن مثلا حول القضية القبرصية وغيرها، وبذلك بقيت مسألة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي مجمدة ومتوقفة.
عند وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة انفتحت تركيا على محيطها الشرقي وأعلن عن سياسة ما يسمى صفر مشاكل مع دول الجوار إلا أن الواقع كان "صفر علاقات"، فشعارها هذا لم يستمر لوقت طويل بسبب التطورات السياسية في المحيط أبرزها مشاكلها مع الأكراد و الدولة العراقية وليس اّخرها ما يسمى الربيع العربي الذي رأى بعض المختصين بالشؤون التركية أن هذه التطورات أرادت تركيا منها الحصول على مكاسب والإستفادة منها لمصالح شخصية، فتدخلت سلباً لدعم الطرف الإرهابي ضد حكومات الدول، وخاصة في الأزمة السورية وبعد تدخل الروس والقيام بالعمليات الجوية للقضاء على التنظيمات الإرهابية اسقط الاتراك طائرة روسية فحدثت أزمة كبيرة بين روسيا وتركيا وبدأ الروس بالرد بعنف في حين دأب الأتراك في محاولة تجاوز حادثة اسقاط الطائرة الروسية وإعادة العلاقات مع موسكو وفي الطرف المقابل وعند تعقد أزمة اللاجئين وضرب الإرهاب عمق أوروبا وغيرها من التطورات التي يبدو أدت إلى تصاعد الخلافات ليس مع أوروبا فحسب بل مع الولايات المتحدة الأميركية حول الحريات العامة في تركيا وأزمة اللاجئين والكرد التي ترى انقرة أنهم امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه كتنظيم إرهابي وأن نشاطهم في سورية مريب يؤدي إلى إقامة كيان انفصالي بحجة أن ذلك يهدد الأمن القومي التركي، في حين ترى واشنطن أنهم بخلاف ذلك فهم يساهمون في مكافحة إرهاب داعش وقدمت لهم الأسلحة والمعدات دون أن تعبأ باستنكار تركيا وتنديدها ، بعد فشل المحاولة الانقلابية في عام 2015 م طلبت تركيا من واشنطن تسليمها فتح الله غولن الموجود في بنسلفانيا الأمريكية بيد أنها لم تقم بذلك فاتهمت انقرة واشنطن بالمماطلة والتسويف .
اتجهت تركيا نحو روسيا وبعد انهاء المشاكل العالقة تزايد الانفتاح بينهما وتم عقد شراكة يسميها الاتراك استراتيجية في الاقتصاد والطاقة والدفاع، وعلى إثر توقيع صفقة منظومة أس 400 بين الطرفين زاد قلق حلف شمال الأطلسي وتصاعد خلاف انقرة مع واشنطن هذه الصفقة ومانتج عنها رأى فيها بعض المحللين أنها تمهد لقطيعة بين تركيا والغرب.
الهوة زادت والثقة تراجعت بين أنقرة وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية اذ أجرت شركة AGS GLOBAL للدراسات استبياناً شمل حوالي 400 مستثمراً تركياً تبين أن 66 بالمئة أعربوا عن موقف سلبي من الولايات المتحدة مقابل 13 موقفهم إيجابي و21 اعتذروا عن الإجابة،
أسلوب النفاق السياسي لتحقيق مصالح أكبر هذا ما تتبعه تركيا حالياً بعد أن وضعتها واشنطن على الرف، فاليوم تحاول إعادة العلاقات و التفاهمات مع روسيا وإيران عبر منصة استانا لحل الأزمة السورية في موقف يخالف واشنطن وحلفائها.
إن هذه الأمثلة وغيرها تدلل على تقلبات في سياسة تركيا الخارجية والمتابعين لها يلمسون بوضوح، ذلك مما يعني صعوبة الخروج بنتائج نهائية، يبدو في المدى المنظور على الأقل أن تركيا ستتبع سياسة ربما توصف بالمزدوجة أو المتبدلة حسب التوازنات والتطورات الحاصلة في العالم. تركيا تتغير ولكن إلى أين تتجه؟ اعتقد أنه في ظل موقع تركيا الجيوسياسي وعلاقاتها القديمة مع الغرب والنشطة مع الشرق لسان حال الأتراك يقول: لا شرقية ولا غربية تركيا أولاً وأخيراً في هيمنة للاتجاه القومي والاعتزاز به.


لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:
https://t.me/damas0times

أو قناتنا على اليوتيوب:
https://www.youtube.com/channel/UCQQjIoPJ_xT0EQDpfPTFKmg

 

عدد القراءات:375

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث