و تزعم الليبرالية أنه حينما تتوفر الحريات الاقتصادية (حرية الملكية والمبادرة والعمل والتنقل)، يكفي أن يجري كل فرد من أفراد المجتمع نحو مصلحته الخاصة كي تتحقق المصلحة العامة للمجتمع تلقائيا.

وترى تبعا لذلك أن الرابط الاجتماعي بين الناس هو رابط اقتصادي وأن النظام الطبيعي داخل المجتمع هو نظام اقتصادي يقوم على تبادل المنافع بين الأفراد، وتؤكد نتيجة لذلك على ضرورة خضوع السياسة لهذا النظام.

لا يتأسس النظام الاجتماعي وفقا للرؤية الليبرالية على إرادة مسبقة لأفراد عقلانيين منتظمين داخل مجتمع، وإنما على مجرد سعي كل فرد نحو مصلحته الشخصية بشكل أناني. والحفاظ على هذا النظام الاجتماعي يقتضي ضمان الحريات الاقتصادية للناس وتمكينهم من السعي اللامحدود وراء مصالحهم الأنانية.

وهذه المصالح كفيلة بالتفاعل فيما بينها والانصهار في مصلحة جماعية دون أن يكون ذلك عن سابق إصرار وتدبير أو بإرادة واعية من طرف أفراد المجتمع.

ولذلك تركز الليبرالية كثيرا على أهمية إبعاد الدولة عن التدخل في تدبير الشأن الاقتصادي، والاكتفاء بتوفير الحقوق الاقتصادية للناس وسن القوانين والتشريعات الكفيلة بضمان هذه الحقوق والسهر على حمايتها من أي انتهاك قد يمسها. 

يدافع الليبراليون عن أن النظام الاقتصادي الأمثل لتنظيم المجتمعات الإنسانية هو النظام الليبرالي (السوق الحرة)، وأن النمو والرخاء يتحققان للمجتمع بمجرد إشاعة الحريات الاقتصادية، وكف الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية.

إلا أن الواقع والتجربة التاريخية يثبتان أن الأمر أعقد من ذلك بكثير، وأن التنمية الاقتصادية عملية بالغة التعقيد والتركيب، ولا ترتبط بالمحددات الاقتصادية فقط، وإنما تتعدى ذلك لتتأثر بمحددات ثقافية ومؤسساتية وسياسية ومجتمعية.

تتجاهل الليبرالية النظر إلى مسائل هامة مثل العلاقة مع العائلة وعلاقة الإنسان بخالقه وكيفية عمل العقل البشري، وتنتهج  المؤسساتية ذات الطابع التراتبي مع إضفاء تعريفات فضفاضة على العلاقات الإنسانية، مثل (العلاقة المقبولة بين الزوجين) كما وبين الآباء وأبنائهم دون تحديد ماهية (المقبول)، لذا فإن سألت أي ليبرالي عن مسائل اجتماعية فإنه إما سيجيبك بأجوبة عامة او انه سيقول "لا أدري".

و تركز الليبرالية الجديدة على الجانب الإجرائي وليس على الجانب المهم من الحياة الإنسانية، الأمر الذي يزيد من مدى غموضها المريب، كما أنها لا تميز بين الجوانب المهمة (مثل البيئة والعقائد والأخلاق) وبين الأمور الإجرائية مثل البيع والشراء، أي انها –مثلاً- تدرج التعليم الجنسي في المدارس دون ذكر ضوابط مثل هذه العقائد باستثناء وصفها بأنها تتم في حدود "المقبول"، وما هذا إلا لأن النشاط البشري من وجهة نظر الليبرالية هو سلعة ذات سعر بحيث يحدد السعر مدى منفعة أو عدم منفعة النشاط البشري أياً يكن. 

كما تستمر الليبرالية الجديدة في تغيير المجتمعات وصولاً إلى "صوت موحد" لها مبني على ادعاءاتها التي تكملها من جانبها الادعاءات الفردية، وهكذا تتمكن الليبرالية من الانقلاب على مفاهيم أخرى مثل الاشتراكية والبنية التركيب الاجتماعي والأعراف والتقاليد، غير ان الليبراليين يعيشون في عالم خيالي يدعون انه يتألف من حسن المعاملة والإنصاف، معتقدين أن غرورهم هو ما سيشكل النسيج الاجتماعي المقبل بغض النظر عما إن كان ما يعتقدون بصحته سيؤدي إلى آثار مدمرة على صعيد الأفراد والمجتمعات.

عدد القراءات:88

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث