خاص بتوقيت دمشق _ تمام اسماعيل


منذ نشأة الأسرة وصولاً إلى القبيلة كانت هناك ضوابط لتنظيم العلاقات بين الأفراد، ومع تطور الحياة ونشوء المدن ظهرت الشرائع لتحكم علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالمجتمع، وكانت تستند بمجملها إلى أفكار وأسس إنسانية تنظيمية حقيقية لا أسسٍ فوضويةٍ مزاجية.

ولا بدَّ من ذكر الشرائع السماوية التي نظمت حياة مجتمعات بأكملها بأسس سليمة أخلاقية إنسانية منضبطة.

ومع نشوء الدول وتقدمها ظهرت في القرن الثامن عشر النظريات الفلسفية والعلمية والاجتماعية التي أنتجت أفكاراً قامت على إثرها دولٌ متطورةٌ منظمة، وبنت فيما بينها علاقات ضمن ضوابط محددةٍ وأطرٍ سليمة.

حيث وضع كارل ماركس وفريديريك إنجلز الأساسات العلمية والنظرية لفكرة الشيوعية وصولاً إلى لينين الذي أسس أول دولة تحمل هذا الفكر.

كما أنشأ ما عُرِفَ بأبي الرأسمالية آدم سميث مبادئها إضافة إلى هيرناندو دي سوتو وآخرين وصولاً إلى دوغلاس نورث إلى أن ظهرت الامبريالية كحالة متقدمة عن الرأسمالية وهدفها الحكم والسيطرة وتوسيع الدولة عبر الاستعمار، وكان فكراً يحمل الصفة الاستبدادية الحقيقية، إلا أنه كسابقيه قائمٌ على أسس نظرية واضحة.

إلى أن وُلدتْ ما تُسمَّى بالامبريالية الحديثة كفقاعة فارغة قائمة على شعارات دون أي أسس تنظيرية، وعناوين دون مضامين، ومصطلحات تسويقية لا تستند على دراساتٍ علميةٍ، ومفاهيم  غامضة غير مشروحة.

واستغلَّ مروِّجوها جهل المجتمع البشري وخصوصاً الشباب منهم بثقافته وتاريخه وحضارته ونزوحه عن العلم والكتب، وإدمانه كلَّ ما يُشاعُ على وسائل التواصل الاجتماعي دون تدقيقٍ وتمحيص.

فكان جهل الشعوب مطيَّتهم، والتكنولوجيا أداتهم، والمال وسيلتهم، لتخريب المجتمعات بأفكار فوضوية.

و نتج عن هذا التضليل المتعمَّد ما يُعرف بالإنسان الليبرالي الذي لا يتقيدُ بالأخلاقيات المتعارف عليها في مجتمعه، فبعد أن كان مثل هذا الإنسان منبوذاً داخل مجتمعه، أمسى له وعاء وتنظيمٌ يحتويه ويدافع عنه ويشدُّ الآخرينَ بماله وسلطته لنهجه المدمِّر، وسهَّلَ ابتعادُ الليبرالية الحديثة عن المفاهيم العميقة والعلوم الأساسية وطرحها لأفكارٍ فضفاضةٍ تحتملُ التأويلَ كما يشاؤون جذبَ الكثير من أفراد المجتمعات إليهم ليكوِّنوا قاعدةً شعبيةً واسعةً تحمل الطابع الفرديَّ الأنانيَّ دون النظرِ لمصلحة الآخرين والمجتمع، فتتأسس مجتمعات مفككة من داخلها تتشابه أفكار أفرادها الفارغة مع أفكار أفرادٍ فارغة من مجتمعات أخرى ليكون لهم صوتٌ واحدٌ مبنيٌّ على قشور التنظير العلميِّ الفلسفي الأخلاقي، فتنقلبُ الليبرالية عَبرهم على مفاهيمَ حقيقية كالأديان والأخلاق والأفكار الفلسفية والعادات والتقاليد التي أسست بلداناً متقدمةً ومجتمعاتٍ عريقةً.

ليعبِّدَ ذلك الطريق لنزع سيادة الدول حيث يُروِّجُ الليبراليون أنَّ قِيمهم هي قيمٌ عالمية بغضِّ النظر عن سيادة الدول، فمنهج الغرور بتفوق قيمهم بغض النظر عن صحَّتها، ودون دراسات علمية لآثارها،وفي تجاهلٍ فاضحٍ للمعرفة الحقيقية وعلوم الفلسفة والتاريخ سيحملُ الآثار المستقبلية المدمِّرةَ على الإنسان والمجتمعات، فبدون أساسات سليمة لأيِّ بناءٍ سينهارُ بالتأكيد مخلفاً الدمارَ والضحايا.

كما لم تخلو ادعاءات الليبرالية الحديثة من الاحتيال المقصود للوصول إلى مآربها، فقولُهم أنَّ هناك مجالاً للمجتمعات غير الليبرالية وأنَّ إطارهم يقتصر على الهيكل العام للمجتمع لا يتوافق مع طبيعتهم فتغلغل أفكارهم بالأفراد ومنحهم حقاً يعلو على كل الحقوق سينسف المجتمعات بإرثها الحضاري والفكري التي شيدته عبر التجارب الطويلة.

إضافةً إلى نظرتهم للمجتمعات بوصفها أفراداً لا قيود لهم، وليست دولاً بقيمٍ ومفاهيم وضوابط محددة، فلن تتسامح الليبرالية الحديثة رغم ادعاءاتها الآنية مع ضوابط دولٍ غير ليبرالية، فحين تتجذرُ أفكارها ضمن افراد المجتمعات سيتم الانقضاض على الدول لتفكيكها، وعلى الأديان لتمزيقها، وعلى الأخلاق والعادات والتقاليد الجماعية لدفنها، لأنَّ أفكارهم باعتقادهم تعلو ولا يُعلى عليها ووهمهم أسمى من أفكارِ تاريخٍ مِنَ التعلُّمِ والتجارب.

عدد القراءات:423

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث