كتب فراس عزيز ديب في صحيفة الوطن : 

لا يزال إعلان الأمم المتحدة عن التوصلِ إلى اتفاق على تشكيلِ اللجنةِ الدستورية في سورية حديث الساعة، إن كانَ للسوريين الآملين بانتهاءِ الحرب الظالمةِ عليهم، أو لغيرِ السوريين الذين يريدونَ على المستوى الرسمي معرفةَ الطريق الذي سيسلكونهُ، هل هو طريق قصر الشعب؟ أم طريق الإذعان للتهديدات الأميركية بمنعِ الانفتاح على سورية؟

حتى الإطلالة الإعلامية لوزيرِ الخارجية وليد المعلم وإن ساهمت بإطفاء الكثير من نيرانِ الالتباس، لكنها أبقت على الكثير من الإجابات بين السطور والتي ربما نجحَ من هم ليسوا سوريين بالتقاطها أكثر من المواطن السوري ذات نفسه:
هل كان الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط ليجازفَ باقتحامِ خلوة الوفد السوري ليطالبهم بمجرد «تحية» لو لم يلتقط إشارة ما؟ أما المواطن السوري فبدى عاجزاً عن استقراءات كهذه، تحديداً أنه كان طوال الفترات الماضية عُرضة لمقالاتٍ وكتاباتٍ وتحليلات ومعلومات لا تبدو غير دقيقةٍ فحسب، لكنها افتقدت لما هو أهم:
قلّة فهم للعقلية الرسمية السورية التي تدير المعركة السياسية بالطريقة ذاتها التي تدير فيها المعركة العسكرية والقائمة على مبدأ بسيط: خارج نطاق الثوابت منفتحون على كلّ الأفكار.
هذه العقلية تبدو كنسمةِ ربيعٍ عندما يكون الكلام في السياسة مبنياً على تساؤلاتٍ منطقية ونقدٍ بناء، لكنها تتحول فجأة إلى صواعقَ وأعاصير عند أي محاولةٍ لزجِّها بمتاهاتِ خطابٍ طائفي أو شوفيني أو تقسيمي عفِن، يستند إلى اتهاماتٍ باطلة بالتنازل عن الحقوق والثوابت.
هذه المحددات التي تتعاطى معها القيادة السورية كان لها شأن كبير في الحفاظ على مصداقيتها ليس بين جمهورها المحب فحسب بل حتى بين أولئك الذين لاموقف لهم، فواقعياً لا يبدو أنه من الصعب على أي قارئ أو متابع أو حتى متكلِّم في السياسة أن يفهمَ هذه العقلية التي تنطلق من التعاطي بواقعية وكِبَر كدولة، وهو أمرٌ يختلف عن تفكيرنا كمواطنين حيث نعتمد الحماسة والعواطف، تحديداً إننا جميعاً كدولة وشعب متفقون على فرضيةِ أننا نسعى لإنهاء هذه الحرب لأن حقن الدماء واجب.
من الواضح أن كثراً استغلوا سابقاً حالة الفراغ تلك فجرى الكثير من الخلطِ بين المفاهيم إن كان عن حسنِ نية أو جهلٍ محوط بثقافة «غوغلية» بائسة، كأن يتم الخلط مثلاً بين فكرة «المجلس التأسيسي» وفكرة «اللجنة الدستورية»، فالمجالس التأسيسية التي يتم تعيينها من الكفاءات أو انتخابها من قبل الشعب مباشرةً ترتبط بأمثلتها الحاضرة ببديهية انهيار السلطة القائمة لأسباب غير مأخوذة بعين الاعتبار دستورياً، كحدوثِ انقلابٍ أو هروب رأس هرم السلطة إن كان رئيساً في الأنظمة الجمهورية أو رئيساً للوزراء في الأنظمة البرلمانية، هنا يأتي دور المجلس التأسيسي ليحل مكان السلطة كفترةٍ انتقالية حتى يتم إقرار دستورٍ جديد تجري الانتخابات على أساسه، هذه الحالة كانت موجودة في فرنسا 1958 ومصر2011 لكنها إطلاقاً لا تنطبق على الحالة السورية لأن السلطة ليست شاغرة والدستور قائِم، فهي إذن لجنة دستورية، أما السؤال المنطقي فيتمحور حول عملها: إقرار دستورٍ جديد أم مراجعة للدستور القديم؟
منذ الإعلان عن طرحِ دستور 2012 وما تضمنهُ من تعديلاتٍ مهمة للاستفتاء الشعبي العام، ربما قد لا نبالغ إن قُلنا إنه لم يمر عام إلا وجرى فيهِ الحديث عن إشاعةِ وجود دستورٍ سوري جديد لكنهُ مكتوبٌ وجاهز ينتظر فقط قبولَ جميع الأطراف به، وما ميز كل هذه النسخ مجتمعة أنها تتشارك بكذبة واحدة:
روسيا هي من وضعت الدستور وأجبرت القيادة السورية على القبول به، والتهديد بوقف الدعم العسكري إن تم الرفض.
حتى كلام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الواضح والصريح ونفيُه القاطع لوجودِ دساتير جاهزة كهذه وتأكيدهِ أن دور روسيا هو تقديم المشورة لا فرض الدساتير لم ينفع، وليأتي تشكيل اللجنة الدستورية كفرصةٍ جديدةٍ لإعادة بث إشاعات كهذه تهدف لمزيد من الشقاق بين القيادة السورية ومناصريها، تحديداً إن الدساتير الخلبية تستند لمفاهيمَ أساسية تُعتبر في مفهوم المواطن السوري «خيانة لدماء الشهداء» كالقبول بكانتوناتٍ مستقلة على الطريقةِ العراقية، أو القبول بنسخةٍ سورية من الطائفِ اللبناني.
تبدو هذه التفاصيل التي يلعب عليها من يتربصون شراً بسورية فرصة للقول: إنه ما من دساتيرَ جاهزة ومفصلة، هذا الكلام لا ينطلِق من ثقةٍ بما تريدهُ القيادة السورية فحسب، لكنه ينطلق من واقعية تستند لمفهومٍ أساس:
لا يمكن أن يكون الدستور الجديد سراً وتعرفه 60 دولة، لأننا إن افترضنا أن الحديث هو عن دستور موضوع أساساً عندها سيعني أن هناك توافقاً دولياً على ذلك، وهو ما يستحيل حدوثه وسط التناقضات التي يعيشها الحلفاء الذين يدعمون المعارضات السورية ذات أنفسهم. أما الحديث عن اللجان والعدد الإجمالي الذي هو 150 شخصاً فمن الواضح أن رفع العدد بهذا الشكل ناتج عن ضرورةِ إحداث توازن وبمعنى آخر:
إن وفد الحكومة السورية كان من المنطقي أن لا يتعدى خمسة أشخاص، لأنهم بالنهاية قادرون على نقل وجهة نظر من يمثلون، لكن كيف سيكون الحال في الطرف المقابل؟ كيف لهم أن يأتوا بوفدٍ من خمسةِ أشخاص إذا كان الوفد أساساً يمثل عشرات التنظيمات والفصائل والمنصات والصالونات؟!
إذن هي مراجعة للدستور القائم، لكن حتى لو ذهبنا بعيداً بإقرار دستورٍ جديد تتفق عليه جميع الأطراف السورية فلا مانع، عندها يصبح السؤال: ما الذي نتمنى رؤيته في الدستورِ الجديد تعديلاً كان أم تجديداً؟
ربما ومن خلال هذه الحرب الضروس التي شُنت على بلادنا، قد لا يبدو أن همَّ المواطن السوري اليوم ما سيكون عليهِ شكل الاقتصاد ولا حتى آلية انتخاب السلطة التشريعية، ولا الولاية التنفيذية، هذه الأمور تبقى من أولويات أصحاب الاختصاص أما الهم العام وبما يتسع إليه من سطور فهناك سؤالان أساسيان:
فصل الدين عن الدولة:
ربما كثُر من يتحسَّسون من هذا المصطلح، ولأننا نعيرُ اهتماماً لآرائهم فلا نقزمها ولا نكفرها فسنستخدم مصطلحاً آخر:
إعادة إيجاد صيغة جديدة للعلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية لأن التجارب السابقة لا يبدو أنها نجحت في لجمِ التطرف وإبعاده عن المجتمع مهما كابرنا، ففصل الدين عن الدولة لا يعني بالضرورةِ خلقَ دولةٍ ملحدة كما يروِّج أصحاب فرضية «تقديم النقل على العقل»، بل إن بناء الدول يبدو متعثراً عندما نكبلهُ بأغلال النقل وإحجام العقل. فصل الدين عن الدولة يعني عملياً عدم الاستهانة بمشاعر ملايين السوريين ومنعهم من الترشح لمنصب الرئاسة لكونهم ليسوا مسلمين، كما أن هذا الفصل يسهم بإعطاء مرونة للكثير من التشريعات المقيدة بما هو وَضعي منذ 1400 عام. هو تماماً كفصل السلطات يضع كلّ طرفٍ عند حدوده.
الكلام الصريح عن علمانية الدولة: ما المانع؟
عندما أعلن المبعوث الأممي السابق ستيفان دي ميستورا ما يسمى ورقة المبادئ الـ12 للحل السياسي في سورية، كان البند الرابع يقول: تكون («الجمهورية العربية السورية»، «الدولة السورية».. دولة ديمقراطية وغير طائفية)، يومها استخدم هذا المصطلح وأغفلَ العلمانية بذريعة تركها للسوريين للاتفاق عليها، والحقيقة أن هناكَ ضغوطاً جرت لفرضِ هذه العبارة لأن توصيف الدستور السوري لكيان الدولة بالعلماني لم يرُق لعتاةِ الحرب على سورية كمشيخات قطر والسعودية أو الولايات المتحدة الأميركية.
اللافت أن هناك اتهامات تكال لكل من يُطالب بوجود العلمانية صراحةً في الدستور ويتهم المطالبين بها بالتبعيةِ لجهاتٍ ما لمجرد أن تطابقت فكرته مع العلمانية الغربية. ربما قد نتفق مع بعض هؤلاء بأن هناك «دعاة علمانية» سوريين أساؤوا للعلمانية أكثر مما أساء الإسلام السياسي للإسلام، لكن هذا ليس مبرراً لتأخذوا الجميع بذنبٍ واحد عملاً بقولهِ تعالى: «ولا تزر وازرةٌ وِزرَ أخرى»، فهناك من يفهمون ويعون تماماً أن جوهر العلمانية هو احترام المعتقدات طالما أن هذه المعتقدات لا تلغي الآخر، لأننا لو فكرنا على طريقتكم سيكون السؤال لرافضي فكرة وجود كلمة علمانية في الدستور:
كيفَ تلاقت أفكاركم ورفضكم مع الرفض السعودي والأميركي؟!
ربما يمكننا القول عملياً: إن قطار الحل السياسي تم وضعهُ على السكة، فسورية التي أنقذت المنطقة تكتب مستقبلها بفضلِ صمودها الأسطوري بجيشها وشعبها، فتجعلنا أمام فرصةٍ تاريخية لرسمِ مستقبلٍ أجمل لا نكرر فيهِ أخطاءنا، وتضعنا أمام أفكار قادرة أن تنطلق من فرضية بناء تحالفاتٍ سياسية تستند على ما لدينا أساساً.

 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times        

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCAycKbU4tzro_X8KRI3tzsA

 

عدد القراءات:772

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث