خاص - فاطمة فاضل

دور الإعلام في الحرب السورية:
ما يجب الإقرار به حقيقةً بعد طول السنوات التي قضيناها في مجابهة الحرب الضروس التي عصفت بسورية، هو أن الدول والمؤسسات الغربية أدركت أهمية الإعلام منذ وقت طويل الأمد، كنّا فيه منشغلين بتقوية نفوذ الدولة السورية خارجاً وإقامة علاقات حميمة مع دول الجوار، متجهين بإعلامنا لتغطية الإنجازات السياسية الخارجية، إضافة لتغطية إعلامية مشابهة لتلك القنوات بخصوص الثورات العربية منها "الثورة السورية"، لكن لم نكن مدركين كفاية أهمية الإعلام في توجيه الرأي العام وكسبه لمصلحة قضايانا، ما جعل من الدول النامية كـحجر النرد في الرقعة الإعلامية العالمية يتم تحريكها وتجسيد المسرحيات كما يُكتب في نصوص سيناريوهاتهم المُعدة مسبقاً.

عمدت وسائل الإعلام الغربي على نقل الحدث مباشرة واحتلت القضية السورية المساحة الأكبر من برامجهم وساعات البث في قنواتهم، لتُظهر لنا بأنها إنسانية وتهتم لقضايا الشعوب المغلوب على أمرها، ولكنها كانت تُغلف حقدها ومضامينها التحريضية ضمن موادها المعروضة، في محاولة لاختراق العقول العربية الهشة والسطحية التفكير لكسب اّرائهم ودعمهم المالي الهائل كون الخليج العربي من أكبر الممولين للحرب السورية، فأمريكا وبريطانيا وغيرها غير مستعدة لدفع ولو مليم واحد لدعم هذه الحرب بل اعتمدت بسياسة ذكية على استنزاف ثروات الخليج وتوظيفها لخدمة مصالحها الاستعمارية البحتة، وبذلك تضرب عصفورين بحجر واحد، تدمير سورية ومحور المقاومة الذي يقف كغصة في صدورهم، وتشتيت الأموال الخليجية هنا وهناك وبالتالي محاولة السيطرة المبطنة على الاقتصاد الخليجي وثرواته.

حقيقة اختيار تسمية للصراع في سورية:
السيناريو الأخير لتلك الدول يقوم على إيجاد مخلوقات عقائدية تحركها إيديولوجيات دينية حصراً، في الواقع أي صراع ديني يكون بمضمونه سياسي بحت، ونقطة ضعف العرب و الدول النامية جميعها هو الدين، لذلك عزفت أمريكا وحلفاؤها على هذه النغمة في كل محاولة من محاولات الهيمنة.
منذ بداية "الثورة" كما يُقال صوّر الإعلام الغربي الحرب السورية على أنها ثورة غالبية الشعب، مركّزاً بصورة رئيسة على المذاهب العقيدية للسوريين، لذلك أُطلق عليها "حرب أهلية".
وبحسب "أستريد كامنسكي" التي كتبت تحليلاً عن الثورة السورية عام 2013، فإن كثيراً من المراقبين الغربيين "بدأوا في نهاية عام 2011 باستخدام مصطلحات الحرب الأهلية".
وتشير "كامنسكي" إلى أن مصطلح "الحرب الأهلية" يثير حفيظة المفكرين والفنانين والناشطين السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الطائفية، وذلك بسبب غياب الرؤية الموضوعية وتحليل أسباب الثورة السورية، وغياب دعم النشاط السلمي في سورية، عن وسائل الإعلام الغربي.
ومازالت وكالات الأنباء العالمية مثل "رويترز" و"أ ف ب" وغيرها من الوكالات العالمية والعربية وحتى بعض وسائل الإعلام المحلية السورية، تستخدم مصطلح "حرب أهلية" في وصفها للأحداث الجارية في سورية، مرددة المصطلح دون الانتباه إلى مضمونه، الذي يتجاهل مطالب الشعب السوري، ويتجاهل كذلك واقع الأمور في البلاد والتي جرتها إلى حرب إقليمية بالوكالة تمارسها عدة أطراف على الأرض السورية.

بداية الفبركة الإعلامية:
بيّنت "مونيكا هوبر" في كتابها "الأخبار والثورة المتلفزة" الذي صدر عام 2012م، كيف أن الإعلام الغربي كان يقوم بتغطية إعلامية متشابهة لأحداث الثورات العربية، ومنها الثورة السورية، اعتماداً على رموز وأشخاص وأحداث غامضةً أمام أعيُن المشاهدين الغربيين، لدرجةٍ يصعب عليهم فيها التمييز بشكل دقيق.
وقامت "هوبَر" بالتقاط بعض الصور التي عُرِضَت في نشرات الأخبار التلفزيونية الأوروبية، وعالجتها، وبعد ذلك قامت بتصوير النتيجة النهائية ملتقطةً الصورة الختامية التي تظهر ظلال لأشخاص؛ ورؤوس وأيْدٍ وقبضات، وسط محيط ضبابي غير واضح، حيث مكان مجهول، وأفواه تصرخ، دون أية إشارة إلى ما تقوله هذه الأفواه، كما تظهر لافتات مكتوب عليها بخطّ عربي لا يمكن قراءته بوضوح، وعيون نساء تومِئ من وراء نقاب، وملامح مُبهمة لإحدى بُندقيات الكلاشينكوف، مما يدل على عدم وضوح الصورة في التغطيات الإخبارية الغربية حول الثورة السورية، وثورات الربيع العربي بشكل عام.

إدخال عنصر جديد للعبة:
فجأة وفي وسط غمار تلك الأحداث تظهر تلك الجماعات المسلحة بينها "داعش" و"فيلق الرحمن" و"جيش الإسلام" وغيرهم الكثير، من الأسماء التي تكررت في التحقيقات الصحفية الغربية حول سورية خلال صيف عام 2012م، وبدأ المراسلون الغربيون في إدلب وحمص وحلب ودير الزور وغيرها من المدن السورية بنشر تحقيقات تتحدّث عن "وجود ما لتنظيم القاعدة وغيره على الجبهات السورية"، وبدأت هنا الاّراء الساخنة بالفتور كـصب الماء البارد على النار.
حيث كتب "غلين روبنسن" في كانون الأول 2012 في مجلة "فورين بوليسي" مقالاً بعنوان: "لا تدَعوا المتمردين السوريين ينتصرون، الانتصار التام لأعداء الرئيس السوري سيكون كارثياً"، قال فيه: "معظم الدول الغربية ستحتفل بسقوط سورية، لكن رهان هؤلاء على المعارضة السورية في المهجر، التي حظيت بدعم إدارة باراك أوباما وغيرها، هو رهان خاسر". http://archive.tishreen.news.sy/tishreen/public/print/275033
مضيفاً أن "من سيحكم سورية فعلياً بعد سقوط النظام هم الرجال المسلحون الذين يسيطرون على الشوارع والقرى والمدن السورية حالياً".
بينما تحدثت صحيفة "نيويورك تايمز" في كانون الأول 2012 في تحقيق عن نجاح "جبهة النصرة" بجذب المقاتلين السوريين الذين ينقصهم المال والسلاح والتدريب، وينقل التحقيق عن أحد المقاتلين المعارضين في سورية قوله إن "هدفنا هو إقامة دولة إسلامية سنيّة في سورية"، وإنهم "سيحاربون أي حكومة علمانية في المستقبل".
وتسابقت وسائل الإعلام الغربية لإجراء مقابلات مع الرئيس بشار الأسد، وراحت أقلام المحللين الغربيين، تدبج المقالات والتحليلات حول ضرورة التعاون مع بشار الأسد، كالخيار الأفضل بين الخيارات المتاحة في سورية لمحاربة "الإرهاب".
وكمثال عن تلك التقارير كتب عمدة مدينة لندن "بوريس جونسون" مقالة نشرتها صحيفة "دايلي تلغراف" في كانون الأول الماضي شدد فيها على ضرورة تركيز الجهود على الأهداف المعلنة لجهة إضعاف وتدمير "تنظيم الدولة" كقوة على الأرض في سورية والعراق، ودعا إلى التعاون مع الرئيس الأسد لمحاربة التنظيم.

 تدوير قضية اللاجئين:
وبعد أن مل المُشاهد من "التنظيمات" بكافة أنواعها وبدأ يترك الأخبار السياسية ويحيد عنها، عاد الغرب بسيناريو المهجّرين والمغلوبين على أمرهم في سورية، وكانوا مادة يومية دسمة لبرامجهم و موادهم، كان أشهرها الطفلين "إيلان" الذي مات غرقاً مع عائلته في البحر، و"عمران" طفلٌ حلبي لم يتجاوز الخامسة من عمره، انتشله مسؤولو الدّفاع المدني إثر إحدى قذائف الإرهاب على أحد أحياء حلب ونقلوه إلى سيارة الإسعاف.
نسبة الى ذلك أطلقت صحف مثل "ليبيراسيون" الفرنسية و "باجيلا بوليتيكا" الايطالية و "فل فاكت" البريطانية وغيرها، مبادرة تهدف إلى التحقُّق مما يجري في البلدان المجاورة حول قضية اللاجئين على أن تنشر المعلومات في حلقات مرة كل يوم على مدار الأسبوع".
ونتيجة لذلك بدأ اعلام الغرب المتطرف الكاره للاجئين بتحريض صحفييهم على تغطية القضية بطريقة سلبية، منهم الصحفية "بيترا لازلو" التي أسقطت أرضاً اللاجئ السوري وابنه.
وأدى تعاطي الإعلام الغربي مثل شبكة "بي بي سي" إلى ارتفاع نبرة اليمين الأوروبي ضد اللاجئين السوريين، وقالت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية عند الاستماع لهيئة الاذاعة البريطانية يأتيك إحساس وكأن مئات الآلاف من المهاجرين على الحدود الأوروبية هم من اللاجئين السوريين". https://goo.gl/GYBe6U

 

 

"داعش" باقية وتهدد الأمن العالمي:

مرَّ على الأزمة السورية 7 أعوام كاملة، ولا زالت وسائل الإعلام الغربية تخدم سياسات معينة، وتتجه لتحقيق مصالح تلك الدول الداعمة مالية، لحشد الرأي العالمي نحو المصالح الدولية الكبرى، لو تخطى ذلك كل معايير الأخلاق والمهنية و الإنسانية التي تنادي بها منظمات العالم أجمع.
وما بعد هزيمة "داعش"، أفسح ذلك الطريق أمام الصراعات الكامنة لتطفو على سطح الحرب من جديد، والتي تشكلت من القرون الوسطى، فبينما تتصارع روسيا مع الولايات المتحدة على النفوذ العالمي، تتصارع أيضاً إسرائيل مع إيران، وتركيا مع الأكراد. ووسط ذلك كله، وجميعهم يتصارعون في سورية بعد خلق سبب وهمي بين النظام ومعارضيه، وإن اختلف شكله كلياً عما كان عليه العام 2011، والذي كان لا يتجاوز بعض المطالبات لتغيير هيكل الحكومة أو تحسين الوضع المعيشي، ليصل المرحلة الدموية الحالية بأمر من القوى السابقة جميعها.
إلا أن "داعش" لم تُعلن هزيمتها حيث ذكرت صحيفة "واشنطن تايمز" على لسان الجنرال المتقاعد جيمس دوبيك، الذي كان قائداً للقوات الأمريكية في العراق، قوله: "تنظيم الدولة قادر على التكيف من جديد، كما أنه سيتمكن من استخدام شبكاته في محاولة لإعادة التشكيل وإعادة بناء القيادة والتجنيد، إضافة إلى إعادة التدريب والإمداد وتجديد المعدات، تماماً كما فعلوا في الفترة من عام 2010 إلى عام 2014"، أي ستتم إعداة إحياء نشاط التنظيم لكن هذه المرة متجاوزاً داعميه لينتشر في أصقاع الأرض جميعها، فـ"داعش" أصبح خطراً حقيقياً يهدد الوجود وشكلت صدمة لصناعيها "فالسحر انقلب على الساحر". https://www.raialyoum.com/?p=816809
وأكدت صحيفة الاندبندنت البريطانية نقلا ًعن موشي كانتور رئيس منتدى لوكوسبمورغ الدولي "استخدام داعش للاسلحة الكيميائية عدة مرات في هجماته الارهابية في سورية، بتنا ندرك أنه يريد الذهاب بعيداً بالقيام بهجمات نووية في قلب أوروبا".

تغير في الخارطة السياسية:
التحليلات العالمية والإعلام الدولي بلغت الذروة فيما يخص الشأن السوري وخاصة بعد قيام الدفاعات الجوية السورية بإسقاط طائرة "إف 16" الإسرائيلية التي حاولت اختراق الأجواء السورية، ليكون هذا الرد الأول المعترف به من قبل الكيان الإسرائيلي حول إسقاط طائرة لهم منذ عام 1973، والذي عنونت حوله صحيفة "معاريف"  الإسرائيلية على لسان آلون بن ديفيد "أن الإسرائيليين اعتادوا على عدم تمكن أي أحد في المنطقة من تهديد طائراتهم لكن الآن ستحاول دمشق جهدها مرة ثانية من أجل تحقيق المزيد من هذه الانجازات". https://goo.gl/fimks8

ورأت "وول ستريت جورنال" أن السؤال اليوم هو "عما إذا كانت الإدارة الأميركية ستذهب أبعد من ذلك معتبرة أن الطريقة الأمثل لتحقيق هدفي أميركا في سورية بضمان أمن حلفائها ومنع إيران من تحقيق حلمها بإنشاء ممر بري بين طهران وبيروت، تكون بدعم الرد الإسرائيلي على الاعتداءات السورية الآن وفي المستقبل".

إعادة حسابات بعض وسائل الإعلام وقوى سياسية:
أخيراً وليس اّخراً في هذه الحرب الطويلة، تأتي معركة الحسم في "الغوطة الشرقية" في ريف العاصمة السورية، والتي تُعد على حسب التحليلات من الطرفين أنها الورقة الأخيرة بيد أمريكا وحلفائها، ففي حال حققت غايتها بانهيار حدود العاصمة والاستيلاء على نقاط مهمة فيها، ستكون النهاية لدمشق، أما في حال انتصر الجيش العربي السوري في معركته المستميتة ضد الإرهاب ستكون إعلان النهاية من منبر الحكومة السورية وستعلن دمشق حينها نصرها الأكبر في التاريخ على العالم أجمع.
وبعد أسبوعين من بدء المعركة في الغوطة الشرقية ظهر الرئيس بشار الأسد على وسائل الإعلام مؤكداً ضرورة استمرار العملية العسكرية فيها، ودحر اّخر معقل للإرهابيين بعد حملة جوية وبرية أتاحت للجيش السوري استعادة السيطرة على أكثر من 40% من مساحتها.
المدهش في هذا الأمر أن قناة الجزيرة القطرية، بثّت خِطاب الرئيس بشار الأسد على شاشتها، وهي التي احتضنت بلادها النّواة الأولى للمُعارضة السورية (المجلس الوطني)، وأن تَصفه لأول مرة بالرئيس السوري بعد سبع سنوات من وصفه برئيس النظام، فهذا يعني حدوث مُتغيرات كثيرة في المشهدين السوري والإقليمي معاً، بات من الصعب تجاهلها والقفز عنها، لكل من أراد الموضوعية والمهنية. https://goo.gl/hX8acY

كما اعتبر محلّلون اسرائيليون هذا الخطاب بأنه خِطاب ما قبل إعلان النصر الذي أصبح قريبا، وقال أحدهم على أحد القنوات التلفزيونية الإسرائيلية الرئيسية "أن العجلة لم تنقلب على الأسد، بل إن الأسد هو الذي يَنقلب عائدًا إلينا".

 

 

 

تبييض تاريخ:

يحاول هنا الإعلام الغربي عدم إبداء رد فعل درامي أو التصرف بسذاجة، بل يعتمد على تقديم أخبار وتحليلات عامة، حتى لو بدت التحليلات في لحظة كتابتها وقراءتها شديدة الشمولية، لأن عمل الإعلام مثل السياسة تماماً فمن يكون عدوك اليوم قد يكون صديق الصدوق غداً، وهو ما قامت به الصحافة الغربية بكفاءة ربما، طوال سنوات الحرب السورية، قبل حقبة "داعش" وما بعدها على حد سواء.

 

 

 

عدد القراءات:2868

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث