الثورة السورية تشد أذني ترامب وتوبخه .. 
بقلم نارام سرجون
------------------------------------------------------------
لست من المغرمين بالسياسيين الغربيين وخاصة الأمريكيين بل وأحس أنهم مغلوب على أمرهم وهم يتلقون التعليمات من لوبيات الضغط والنفوذ .. ويكفي أن ننظر الى نيكي هايلي وهي تهدد بحذائها كل من يزعج اسرائيل حتى نعرف أن هؤلاء يوجد من يرفع الأحذية في وجوههم خلف الكواليس وقد يضربون بالأحذية ويركلون اذا ماخالفوا تعليمات اللوبيات ..

ولكن قد لاتصدقون أنني صرت أرثي لحال ترامب وأتعاطف معه رغم انني لاأكن مودة له على الاطلاق .. أرثي لحال ترامب لأنه في عالم السياسة يجد أنه محاط بالأساتذة والعباقرة والبروفيسورات وهو يوبخ ويؤنب من كل الأطراف ويستقوي الكل عليه ويرفع سباباته في وجهه مهددا ومعنّفا .. حتى زعران الثورة السورية وصيصان السياسة صاروا يستقوون عليه ويهددونه .. والبعض يتصرف مع ترامب على أنه تلميذ كسلان وفاشل وراسب قبل أن يتقدم للامتحان ..وصار هذا البعض يكتب على دفتر ترامب ملاحظات قاسية والبعض يمسك قلما أحمر ويشطب كل تصريحاته في السياسة ثم يضع له علامة الصفر المكعب .. ويصر البعض على وسمه بصفة الطفل الصغير في السياسة .. وكلما ابتعد الرجل عن خط سياسي لدولة ما تم وصفه انه غرّ في السياسة ويحتاج دروسا خصوصية بشكل عاجل واسعافي .. فهو في نظر السي أي ايه لايفهم الخطر الروسي وطلبت منه اعفاء مستشاره للأمن القومي مايكل فلين بعد ايام من تعيينه .. وهو بنظر الايرانيين لايفهم الاتفاق النووي الايراني .. وهو بنظر حماس لايفهم العلاقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين .. وهو بنظر أهل النفط لايفهم عمق العلاقة بين أميريكا والبقرة الحلوب أوالنوق الحلوب في الخليج .. وآخر اخفاقاته هو فشله في امتحان الثورة السورية .. فقد دخل الامتحان خلال الشهرين الماضيين وخرج وقد كتب في ورقة الاجابة (ليست مهمتنا اسقاط الأسد .. بل داعش) .. فخرجت المعلمة فرح الأتاسي غاضبة من مستوى هذا الطالب الغبي .. ووضت صفرا مكعبا على دفتر علاماته ..
ترامب المحاط بالبروفيسورات والأساتذة وسابقي عصرهم والجهابذة والعتاولة والأفذاذ يشده الجميع من أذنيه .. لكن تعليق فرح الأتاسي هو الأهم من استاذة الأساتذة وجهبوذة الجهابذة .. فقد قالت غاضبة في تصريح انتقادي لتصريحات ترامب بشأن (التخلي عن اسقاط الأسد) انه غير مثقف ويحتاج الى تثقيف وهو لايفهم الثورة السورية لأنه جاهل وينقصه التعليم .. ولكنها قالت بأنها لاتعول عليه لأن القرار في أميريكا ليس له بل للبنتاغون والسي آي ايه ..
المضحك أن الثورة السورية فلقت رؤوسنا وهي تنتقد نظام الحكم السوري وسيطرة العسكر والمخابرات على الحياة المدنية التي تحتكر القرار السياسي .. ووأصابنا الصداع من كثرة ماسمعنا أن الثورة تريد شراء الديمقراطية وكل تجهيزاتها وفرش بيتها وجهاز عرس الثورة من الغرب ومن أميريكا تحديدا لأنها مثال الحرية والشفافية وحكم الشعب وقرار الناخبين في صندوق الانتخاب حيث لادور للمخابرات والجنرالات في الحياة السياسية كما هي الحال في العالم العربي وخاصة في سورية التي يتدخل جهاز المخابرات في كل تفاصيل الحياة ولايعترف بصناديق الانتخاب فيها .. وفجاة نكتشف أن أميريكا تقلدنا وأننا وفق مقاييس الجهبوذة فرح كنا نعيش أرفع حالات الديمقراطية لأنها مع بيانات ثورتها السلمية وصفت الوضع في سورية أنه لايطاق حيث الجنرالات والأمن يطبقون على الحياة السياسية ويمنعون التفكير والتنفس ويريدون وأد الثورة .. وأن الهواء الآن يتم استيراده للشعب السوري بأسطوانات الاوكسجين من أميريكا الحرة سيدة الحرية ..
طيب .. اذا كانت الديمقراطية الامريكية تحتكرها قيادات البنتاغون والجنرالات ولادور للناخب في الديمقراطية الامريكية الذي يغير رئيسه بورقة في صندوق ولكنه لايغير سياسة بلده كما تقولون حتى بانتخابات حرة ونزيهة .. لأن الجنرالات يقررون دون اعتبار له .. لماذا تقتلون أنفسكم وتذوب حناجركم وهي تطالب بالنموذج الامريكي لتبديل جهاز المخابرات السوري بجهاز مخابرات آخر لاتعنيه اللعبة الديمقراطية ؟؟ كل هؤلاء الشباب الثورجيين الذين انتحروا وماتوا كانوا يتبعون الوعد بالتخلص من حكم الجنرالات والأمن فاذا بنا الآن نكتشف أن الموت لعبة من ألعاب السياسة وأن الديمقراطية مجرد نكتة .. وأن الحقيقة هي ماقلناه منذ اليوم الأول .. لاديمقراطية حتى في الغرب لأن الدولة العميقة هي التي تحكم ول التهريج على السطح لامعنى له ..
الغريب أن التصريح فضيحة بكل معنى الكلمة لأن الأتاسي تقر علنا ودون خجل أن الثورة السورية هي ملك الجنرالات الامريكان وأن الثوار ليسوا عملاء البيت الأبيض بل عملاء الجنرالات والمخابرات الامريكان .. وهي تعول على آباء الثورة في البنتاغون ..
لكن تصحيح الأستاذة الجهبوذة فرح لورقة امتحان ترامب هو نفسه يحتاج الى تصحيح .. فتعالوا نشطب بالقلم الأحمر ماكتبته فرح بالقلم الأحمر وبأحمر شفاهها على ورقة ترامب وهي غاضبة وقد تبرمت من غباء ترامب الباحث عن الصفقات ..
أولا اننا في القراءة الوطنية والتحليلات كنا أول من لفت نظر الثورجيين أثناء الانتخابات الى أن ترامب رجل صفقات وهو سيفوز لأنه يخوض صراع الدولة العميقة ضد الدولة العميقة وهناك قوة عميقة صاعدة وقوة عميقة هابطة مثلتها كلينتون .. ولم يقل أي ثورجي ذلك وكانوا يمجدون الديمقراطية الأمريكية ويتغنون بها ويسخرون من ذكرنا للدولة العميقة الأمريكية وهاهم اليوم يستعملون تحليلنا نفسه وعباراتنا ذاتها مما يدل على أنهم تلاميذ ولايعلمون السياسة وأننا أكثر علما منهم ونفهم الف باء السياسة وان رهاننا على فشل المشروع الصهيوني في الثورة كان مبنيا على دراية وفهم عميق لبواطن الأحداث وليس شعارات جوفاء .. والنتيجة هي أننا سحقنا المشروع .. وأننا أوصلناهم لقول بعض مانقول عن الدولة العميقة في أميريكا ..
ثانيا ان ترامب ليس غرا في السياسة بل هو داهية وهو يعلم كل تفاصيل السياسة في العالم وهو يعلم أن الثورة السورية صارت عبثية وأنه كرجل صفقات وتاجر عقارات لايحب الصفقات الخاسرة بل يبيع مالديه بأبخس الأثمان من أجل ألا يفلس .. وأن السلعة التي انتهى مفعولها يجب التخلي عنها في السوق بسرعة وعرضها بأسعار رخيصة (سيل) .. وهو يعرض البضاعة للبيع .. (باي ون تيك ون فري) Buy one take one free ..
ترامب لايحب السوريين ولاالعرب ولاالايرانيين .. وهو أميريكي ويفهم جدا حاجة أميريكا لتغيير مبادئها في السياسة الخارجية التي خطفها رجال الصناعات الحربية والنفط .. وهو يريد تغيير الاتفاق النووي الايراني لأنه سيعيد بيعه للايرانيين بصفقة أكثر ريعية وليس لأنه يريد الحرب معهم .. وهو سيبيعه للسعوديين وللاسرائيليين أيضا ..
اما علاقته بالثورة السورية ففرح أتاسي تفهمها كما فهم سرحان عبد البصير السؤال عن علاقته بالجنس الآخر في مسرحية شاهد ماشفش حاجة .. فهي مثل علاقة سرحان عبد البصير بالجنس الآخر عندما سأله المحقق: استاذ سرحان .. ايه علاقتك بالجنس الآخر؟؟ فقال له سرحان: يعني زي علاقتي بحضرتك .. والحقيقة أن علاقة ترامب بالثورة السورية هي علاقة رجل أعمال براقصة .. فهو سياسي محنك فهم أن أوباما حاول لثماني سنوات تسليم الثوار السلطة وفشل وأنه في السياسة لاطائل من متابعة رفع صخرة سيزيف ومناطحة الصخور .. بل السياسة تقضي أن تترك صخرة سيزيف الضخمة في أسفل المنحدر وتباشر الصعود الى القمة بصخرة صغيرة .. ولو حتى بحجرة واحيانا حصاة صغيرة مثل تلك التي يرجم فيها الشيطان في الجمرات .. السياسي لايجب أن يصل الى القمة من دون صخرة سيزيف ولكن اذا كانت الصخرة كبيرة عليه أن يغيرها لتكون عملية الوصول الى القمة أكثر واقعية .. أو يقوم بخفض مستوى انحدار الطريق الى القمة .. أو تغيير القمة دون تغيير الصخرة .. وترامب يريد شيئا آخر تماما في سورية .. فهو لايحب النظام السوري على الاطلاق ولايريد انتصارا سوريا ولاسورية موحدة ولاعلمانية ولايريد دولة قوية .. وهو يدرك أن الاسلاميين أفضل حل لتدمير الدولة ولكن هذا الحل فشل وصار مكلفا وخطيرا وليس من المنطقي متابعة الطريق فيه .. لكنه يريد تقليم أظافر الدور السوري في الاقليم والفصل بينه وبين ايران والتعهد بعدم ايذاء اسرائيل والتقليل من مكاسب روسيا والصين عبر بوابة الشرق السورية .. وهو يحاول ايجاد معادلة صعبة لتحقيق ذلك دون الاستعانة بالثورجيين السوريين جميعهم بل بقوى معارضة جديدة وطاقم عملاء جدد .. وهناك فرضيات كثيرة وحلول تعرض عليه .. منها البقاء في قواعد باردة كامنة (مناطق خضراء محاطة بأحزمة كردية أو عشائر عربية) في المنطقة الشرقية للفصل بين سورية والعراق في منطقة مابين النهرين (دجلة والفرات) ..
الجهبوذة فرح وغيرها تلقي المواعظ على ترامب والادارة الأمريكية كما ألقت مواعظها علينا منذ سنوات .. ولكن ترامب لايحتاج مواعظ آل الأتاسي .. ولا مواعظ العرعور ولا الائتلاف السوري ومعارضة الرياض .. الرجل دوّخ خصومه وأخذ السلطة من بلعوم هيلاري كلينتون وهي تهم بابتلاعها ولذلك فانه يعرف اين يضع قدميه في كل شأن .. وهو رجل خطير وليس سهلا وعلينا في الدولة السورية النظر اليه بحذر لأن تخليه عن مايسمى بالثورة السورية يعني أنه في سياق خيار آخر لابتزازنا ليس عسكريا حتما .. ولكنه يبحث عن صفقة يبيعنا اياها .. تجعلنا نكسب الحرب نهائيا .. ونخسر النصر .. هل تعرفون ماهو النصر .. ؟؟
ولأننا لسنا اغرارا في السياسة فاننا نقول بأن ترامب يحاول جهده أن ينفذ معادلة خبيثة فيها نكسب الحرب ولكن نخسر النصر .. وهو ماسنحرمه اياه حتما .. كما حرمنا غيره من كل أحلامه .. لأننا سنكسب الحرب ولن نخسر النصر .. ونحن اذا قلنا فعلنا .. ولن نمد أيدينا الى الأقلام الحمراء لتوبيخ ترامب وشد أذنيه كالأطفال المشاغبين الأغبياء فالرجل ذكي بما يكفي ليفهم معضلته .. وهو محنك سياسيا وليس سهلا أبدا ولايحتاج تثقيفا بل تحتاج المعارضة أن تتلقى دروسا على يديه في فن الممكن والانعطاف وتغيير الصخور الكبيرة والقمم المستهدفة .. وهو خطر علينا أكثر من خطورته على الثورجيين لأنه أكثر فهما للوضع في الشرق الأوسط بعد نهاية المرحلة الاسلامية الاخوانية .. ولديه مشروع آخر .. ولذلك فاننا لن نكون مغرورين وسطحيين لنقوم بامساك الأقلام الحمراء لتصحيح سياسة ترامب فنحن لانمارس التدريس على الورق وعلى الدفاتر .. بل لدينا دم أحمر قان كثير في عروقنا وفي عروق ابنائنا وعروق أشجارنا وعروق مدننا ..
وأقلامنا الحمراء ملأى ومتخمة بدماء الشهداء .. وكل شرايينا أقلام حبر أحمر وكل أوردتنا أقلام حبر أزرق .. وهي التي تصحح كل الاجابات الخاطئة .. وهي التي تعطي ترامب وغير ترامب ومن خلف ترامب الاجابات الصحيحة كما فعلت مع أوباما وكلينتون من قبله .. أما أقلام أحمر الشفاه فنتركها للجميلة الجهبوذة فرح أتاسي ولنصر الحريري ولكل رجالات الثورة وللملك سلمان وأردوغان ولرجال الدين الذين لايجرؤون على مواجهة أميريكا بل يستأسدون على المسلمين .. فأحمر الشفاه يليق بالنساء كما يليق بأشباه الرجال .. واحيانا يليق أكثر باشباه الرجال .. مع تمنياتي لفرح بالفرح .. ولرفاق فرح وأشباهها بالفرح ..

تابعوا آخر الأخبار السياسية والميدانيـة عبر تطبيق تيلغرام على الهواتف الذكية عبر الرابط :

https://telegram.me/DamasTimes
 

عدد القراءات:489

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث