خاص|| مرام جعفر

ساعات البكاء الطويلة التي قضتها روان في أحد الشوارع لم تحسن من مزاجها وقهرها لفقدانها وظيفة بحاجة لها، بعد أن قام المسؤول بتفضيل فتاة أخرى لأسباب دونية جعلته يفصل روان من العمل وبدون راتب للمدة التي عملت بها.

صديقتي التي آلمني صوتها وهي تشكو لي ما حل بها من قهر وخذلان بسبب أغراض شخصية حاول أن ينالها رجل سوء وليس رب عمل، لم تستطع أن تتجاوز ما عانته لفترة لابأس بها فهي ليست المرة الأولى التي تحاول فيها روان ان تبحث عن عمل وتكون النتيجة أسوأ مما تتوقع.

تندرج حالة روان بما عانته من  قلق اجتماعي و ضغط نفسي، ضمن مفهوم العنف النفسي الذي يحتوي كل أشكال الاعتداء والانتهاك العاطفي بحق شخص ما، كالاعتداء النفسي اللفظي مثل التهديد والوعيد أو الذم والشتم أو الترهيب وفرض السيطرة على الآخر، وحتى استغلال الحاجة الى العمل والتي تعتبر ظاهرة منتشرة جدا.

هذا النوع من العنف غالباً ما يُمارس من طرف الزوج أو الشريك السابق أو من قبل فرد من أفراد العائلة أو حتى في العمل سواء الخاص او العام بدرجات متفاوتة، وحيث أنه كثيراً ما يمارس بشكل غير مباشر، بالتالي يصعب إدراكه أو ملاحظته من الآخرين، وتعتبر حالة روان جزء بسيط مما تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا العربية وغيرها.

أما حال الموظفة "جمانة.ف" لم يكن أفضل من حال غيرها إلا أنها كانت أكثر قوة في تقبل ما تعرضت له وهي الفتاة الجميلة في مقتبل عمرها والتي تسعى لإثبات ذاتها.

تقول جمانة: "بأول محاولة للخوض في عالم الإعلام و الذي يعد من أكثر العوالم غموض و يعيث في دهاليزه الفساد و الدهاء، علمت بوجود شواغر في إحدى القنوات ذات القطاع المشترك، وعند تقديم السيرة الذاتية حادثني المدير المسؤول فوراً وطلب الخروج بلقاء بإحدى مطاعم العاصمة، ورغم علامات الاستغراب إلا أنني قبلت مترددة..

طبعاً كان اللقاء الأول والأخير بعد سماعي لسلسلة عروضه المغرية وآخرها تقديم مفاتيح منزله مقابل العمل، وهو يحترف هذا الأسلوب مع جميع الفتيات و بعضهن للأسف وقعن في شباكه بسبب قلة الوعي و تمت عملية إقناعهن بالزواج منه أو اللعب عليهن ويقوم بعد مدة قصير بتطليق الفتاة ويرميها لمن لا حول له ولا قوة "هذا ما سمعته بعد سنين عدة.

في الحقيقة كانت الصدمة الأولى في حياتي والأخيرة تعلمت منها الكثير رغم صغر سني حينها 20 عاماً في السنة الثانية من دراستي..

وتختم جمانة تجربتها بالقول: "إن قلة الوعي تجعل الكثير من الفتيات يغامرن بما لديهن لأجل شهرة أو مبلغ مرقوم وغيره من المغريات، ولا نصائح تنفع معهن ولا رادع إلا الخلق الحسن والتربية السليمة لأن سطوة المجتمع لن ترحمهن وإن كان القانون بجانبهن."

وللأسف أغفل قانون العمل الحديث في سورية أي ذكر للتحرش الجنسي في العمل، ولا توجد مادة جزائية تجرم تجريماً واضحاً وتعاقب على التحرش الجنسي أو الشتيمة أو اللفظ المسيئ . عدا المادة 499 من قانون العقوبات التي تندرج تحت مفهوم "التحرش الجنسي": التي تقول: "كل موظف راود عن نفسها زوجة سجين أو موقوف أو شخص خاضع لمراقبته أو سلطته، أو راود إحدى قريبات ذلك الشخص، عوقب بالحبس من تسعة أشهر إلى ثلاث سنوات".

العنف النفسي ظاهرة متفشّية في جميع أنحاء العالم والمجتمعات رغم التقدم الإنساني الهائل ولكن بدرجات متفاوتة، وتظهر آثاره النفسية  خاصة في فقدان المرأة لثقتها بنفسها و فقدانها احترامها لنفسها وإحساسها بالاتكالية والاعتماد على الرجل، وعدم شعورها بالاطمئنان و السلام النفسي و العقلي وتعرضها لاضطراب في الصحة النفسية مع فقدان الإحساس بالمبادرة واتخاذ القرار..

كما أن الأطفال الذين يعيشون في وسط عائلي يسود فيه العنف النفسي يستبطنون هذا العنف ويصبحون بدورهم عنيفين أوأنهم ينطوون على أنفسهم.. وفي كل الأحوال تكون لهذا العنف آثارا سلبية على نسق دراستهم.. فعادة ما يكونون عرضة للفشل المدرسي في وقت مبكر.. كما يؤثر ذلك على نموهم العقلي والعاطفي.

حيث تقول الأخصائية التونسية ألفة موسى "يعتبر العنف النفسي كأخطر أنواع العنف من حيث عدم قدرة الضحية على اثباته على خلاف العنف الجسدي.

 ولكن تأتي الصدمة الكبرى من النساء اللواتي لا يعتبرن أصلا أن العنف النفسي عنف ولا يحاولن أن ينتفضن تجاه هذا النوع منه، وخاصة في المجتمعات العربية حيث يتم التكتم في معظم الحالات حتى عن الاعتداء الجسدي خوفا من السمعة السيئة فكيف إذا ما اتينا على العنف النفسي وهو النوع ذو التأثير الأعمق حيث تكون مضطرة للكبت والصمت في ظل مجتمع هوايته أن يلقي بعقده على الحلقة الأضعف  وهي المرأة.

من هنا جاء اهتمام المنظمات الدولية بهذا الموضوع وجعلته في سلم أولوياتها و على رأسها صندوق الأمم المتحدة للسكان المعني بهذا الملف بشكل أساسي، لذلك حرص على تدريب الإعلاميين من خلال ورشات العمل بالتعاون مع وزارة الإعلام بهدف بناء القدرة بتوجيه مثل هذه الرسائل الإعلامية، وتقديم المساعدات الكبيرة للنساء المعنفات وتقديم الدعم النفسي لهن، وخاصة ان قضية العنف القائم على النوع الاجتماعي بدأت اليوم  تأخذ حيزا كبيرا، كما تعددت الحالات وكثرت خلال فترة الأزمة.

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times

أو قناتنا على اليوتيوب:
https://www.youtube.com/channel/UCQQjIoPJ_xT0EQDpfPTFKmg

عدد القراءات:617

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث