خاص|| مرام جعفر

بالنظر الى تاريخ الدول تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر استخداما للعقوبات الاقتصادية عالميا بدءا من عام 1812عندما فرضت الخزانة الأميركية عقوبات اقتصادية ضد الإنكليز، وعينت نفسها كمراقب على الأصول الأجنبية وأنشأت مكتب معني بهذا الأمر المعروف بـ "أوفاك" عام 1950 بهدف حظر الأصول المالية والمعاملات التجارية لدول المحور، وهو دور لعبه أوفاك بجدارة منذ إنشائه حتى الآن في إدارة وتنفيذ العقوبات الاقتصادية والتجارية ضد الدول والأفراد والمنظمات التي تهدد المصالح الأميركية، سواء على الأراضي الأميركية أو خارجها، بالتعاون مع الحكومات الصديقة والمتحالفة مع واشنطن، ومنذ ذلك الوقت والعقوبات الاقتصادية هي الأداة المُفضلة والسياسة المعتادة لأمريكا وأسهمت بشكل فعلي في وضع "القوائم السوداء" لخارجيتها من منظمات وأفراد وشركات "خارج النظام المالي العالمي" على حد وصف"جاك ليو" وزير الخزانة الأميركية الأسبق.

تأثير العقوبات الاقتصادية الأمريكية على بعض الدول

روسيا:

في العام 2014 فرضت أمريكا العقوبات الأولى على روسيا ضد عدد من الأفراد والشركات الروسية والأوكرانية، وذلك فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية وإعادة شبه جزيرة القرم،  وكان المتضرر الأكبر من هذه العقوبات هو أوكرانيا حيث أفقدتها نصف الناتج المحلي الإجمالي بحسب ما قاله يعضو البرلمان الأوكراني يفغيني مورايف.

و انتقلت واشنطن من استهداف مسؤولين روس منفردين إلى إجراءات اقتصادية واقعية طالت القطاعات المالية والطاقة والدفاع والتعدين توريد الأسلحة والمعدات العسكرية والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج وتستمر بزيادة هذه العقوبات بتوسيع لائحة الشركات والشخصيات الروسية حتى يومنا هذا، حيث بدأت فرض العقوبات على روسيا في إطار قانون "مواجهة أعداء أمريكا" اعتبارا من 29 كانون الثاني 2018. وأوضحت، وزارة الخارجية الأمريكية في بيان لها بـ30 -1-2018 أن الحكومة الأمريكية تفرض عقوبات، ضد روسيا "للضغط عليها لمعالجة المشكلات التي تثير مخاوفنا بشأن الأزمة في أوكرانيا والتدخل فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى وانتهاكات حقوق الإنسان، ولكن الاتفاقيات الموقعة مع الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا تضمن ان تشكل رادعا كافيا للولايات المتحدة على المستوى الدولي ومنافسا لها باعتبار الثقل السياسي والعسكري التاريخي لروسيا و الثقل الاقتصادي للصين سيشكلان وحدة متكاملة في وجه أمريكا.

ولم تكتفي أمريكا بالعقوبات من طرفها بل وأجبرت الاتحاد الأوروبي وبعض حلفائها الآخرين على حذو نهجها، حيث تمتلك أوروبا علاقات اقتصادية واسعة وهامة جدا مع روسيا توفر مليارات الدولارات للطرفين. وخاصة التعاملات في مجال  الطاقة،  و الحزمة الأخيرة للعقوبات التي صادق عليها الكونغرس الأمريكي في كانون الأول على روسيا، تخرج بعيدا عن الأطر المنسقة مع الاتحاد الأوروبي كالنمسا وايطاليا والمانيا وكندا وفرنسا.

من وجهة نظر أمريكا  يقول وزير المالية الأمريكي، ستيفن منوشين، أن "هذه العقوبات هي تدابير بالغة الأهمية، ومن الواضح أن هذه هي أدوات قوية للغاية".

بينما تشير دراسات إلى انه بالرغم مرور 3 سنوات على بدء ممارسة العقوبات الاقتصادية، لم يتضرر الاقتصاد الروسي بقدر كبير، بل تقول موسكو إن تبعات هذه العقوبات، وتحديدا القيود الجوابية التي فرضتها روسيا على استيراد المواد الزراعية والغذائية من الدول التي انضمت للعقوبات، ساعدت في زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز القدرات التنافسية للمنتجات الروسية.

من الجدير بالذكر،تصريح  نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف بأن فرض العقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا سيضر بالحوار حول الاستقرار الاستراتيجي وسيؤدي إلى تدهور العلاقات بين البلدين، للمرة الثانية عشرة خلال فترة الإدارة الأمريكية الحالية.

إيران

كانت اول حزمة عقوبات اقتصادية فرضتها الولايات المتحدة على ايران عام 1979 بعد أن قامت مجموعة من الطلاب بمهاجمة السفارة الأمريكية في طهران كرد فعل على التدخلات الأمريكية في إيران اثناء الثورة الإيرانية في عهد شاه ايران، نتج عن هذه الحادثة تجميد كامل الأصول الإيرانية وبعد ذلك ، تم تشديد العقوبات بفرض حظرعلى بيع الأسلحة، والمساعدات الاقتصادية و تجارة النفط والاتصالات المباشرة للبنوك  بين إيران والولايات المتحدة.

ومع مرور الوقت حتى الوصول إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عادت أمريكا  لتشديد العقوبات ضد إيران بعد انسحابها من الاتفاق النووي اثناء رئاسة باراك أوباما، وطهران في فيينا في تموز عام 2015.  وننوه هنا أن الذريعة الرسمية لتشديد العقوبات ضد إيران تتعلق باستمرار جهود طهران لتوسيع برنامجها الصاروخي، مع شركات روسية وصينية و أوربية طالتها العقوبات.

وبعد الانسحاب من الاتفاق أمهلت امريكا للشركات الأجنبية بين 90 و180 يوما لإنهاء العقود القائمة مع طهران، فما الآثار الاقتصادية المترتبة على ذلك فيما لو التزمت هذه الشركات بالقرار الأمريكي؟  برأي اقتصاديين يعتبر هذا الموقف ضربة للاقتصاد العالمي كله خاصة عندما تكون الدولة التي فرضت العقوبات هي الولايات المتحدة ذات المكانة الاقتصادية والسياسية الكبيرة ، وهنا ستكون الشركات ذات الاستثمارات النفطية هي الأكثر تضررا.

من جهة أخرى الاقتصاد الإيراني اعتاد على التعايش مع العقوبات منذ 30 سنة أي ان الأثر سيكون محدودا، وخاصة مع وجود روسيا والصين والهند ذات الثقل الاقتصادي  الذي يساند الدول كإيران في قطاعات النفط. كما ان والتطور مستمر بخطين متوازيين ولن تحول  العقوبات دون استمرار ايران بمتابعة برامجها بتطوير قدراتها الصناعية وخصوصا العسكرية منها والتي تقلق أمريكا، للتأكيد على ضرورة عدم ربط البرنامج الصاروخي بالاتفاق النووي.

الصين:

على الرغم من العلاقات التجارية الواسعة، لم تكن العلاقات الأمريكية الصينية يوما خالية من التوتر فمنذ عام 2010 لوح الكونغرس الأمريكي بالتحرك لفرض عقوبات تجارية على الصين اذا استمرت في رفض رفع قيمة عملتهامع العلم ان الديون المترتبة على أمريكا لصالح الصين  تبلغ أكثر من 18 ترليون دولار! هذا الرقم يهدد بانهيار الاقتصاد الأمريكي فيما لو طلبت الصين تسديد الديون وسحب رؤوس أموالها.

وتقول الادارة الأمريكية ان تقويم اليوان بأقل من قيمته الحقيقة يفاقم الاختلال التجاري الذي تستفيد منه الصين، ويلحق الضرر باقتصاد الولايات المتحدة بما في ذلك مفاقمة عجزها التجاري.

ومن المتوقع ان تشمل عقوبات ترامب فرض رسوم جمركية على الصادرات الصينية بالإضافة الى إجراءات أخرى في المادة 301 من قانون التجارة.

الا أن لدى الصين ما يمكن ان يردع الأمريكيين بما تملكه من عقوبات مضادة قد تتخذها في المقابل، واعتبرت قرار ترامب ربما يكون بمثابة اطلاق الرصاص على اقدام أمريكا  وشلها عن الحركة وتعرض قطاعات للخطر مثل القطاع الزراعي الأمريكي وكانت الصين قد حزرت من اشعال حرب تجارية لان الجميع سيخسر ولن يكون هناك فائز فيها.

تأثير العقوبات الأمريكية على أمريكا نفسها

 لا يختلف اثنان على قوة الدولار الأمريكي كعملة عالمية وسيطرتها على العمليات التجارية الكبرى والتحويلات المالية والمؤسسات التجارية العالمية، حيث تتمتع الشركات الأمريكية بمواصفات قوية متفوقة على عدد كبير من الشركات على مستوى العالم برؤوس أموالها الضخمة والتكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها وسيطرتها على المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي.

الا ان التقارير الصادرة من المركز العالمي للدراسات التنموية في لندن تشير الى ان الرياح ستجري عكس ما تشتهي أمريكا وسيكون عام 2018 سيكون عام التحولات الكبرى في العالم ، وأن ميزان القوة الاقتصادية سيميل لصالح الدول الناشئة ومنها دول شرق آسيا التي ستنتج اقتصاداتها غالبية السلع والخدمات في العالم وستسهم بنسبة 55% منها، في حين تقل مساهمة اقتصادات الدول المتقدمة بالمقارنة معها لتصبح 45%. وستصل حصة اقتصادات الدول الآسيوية وفي مقدمتها الصين والهند إلى 75%، من النمو الاقتصادي العالمي بحيث تتحكم دينامية أسواقها بالأسواق العالمية.

و بالنسبة للاتحاد الأوروبي، اما سيرضخ لأمريكا وشروطها من مبدأ انه لا يمكن لأي دولة ان تتخلى عن السوق الأمريكي "رأي اقتصادي" ، او عليه اتخاذ إجراءات  او سياسات مستقلة على المستوى الاقتصادي وبذلك يتم عزل الولايات المتحدة وسيسبب توتر في العلاقات الدولية وهذا أمر مستبعد على المدى القصير والمتوسط.

وعليه، يمكن لأمريكا أن تنجح وحلفائها في التأثيرعلى سياسات الكثير من الدول وأوضاعها الاقتصادية مثل فانزويلا وكوريا الشمالية. ومن اهم أسباب هذا النجاح هو اعتماد الدولار الأمريكي  كعملة عالمية مما يساهم في قدرة الأمريكيين على التحكم بالسيولة النقدية على نطاق واسع. وتحقيق رفاهية لشعوبهم على حساب ثروات  الدول الأخرى بوسائل اقتصادية كونها اقل تكلفة من التدخل العسكري والمحافظة على أمريكا كقطب اوحد يقود العالم ومن الممكن ان تكون الولايات المتحدة الامريكية رابحة باتباعها هذه السياسة على الأقل في المدى المنظور. الى حين ترسيخ التجمعات الاقتصادية الضخمة التي بدأت بالظهور والعمل الموحد كدول البريكس ومنظمة شنغهاي التي قد تشكل عملاقا اقتصاديا وعسكريا منافسا لأمريكا وحلفائها ويحد من سيطرتها واستمرار سياسات الابتزاز وتعزيز وجود عالم متعدد الأقطاب ينهي الهيمنة الأمريكية.

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:
https://t.me/damas0times

أو قناتنا على اليوتيوب:
https://www.youtube.com/channel/UCQQjIoPJ_xT0EQDpfPTFKmg

 

 

 

عدد القراءات:347

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث