كتبت مها سلطان في صحيفة تشرين:

باستثناء الولايات المتحدة، برئيسها ومسؤوليها، لم تبق دولة أو منظمة أو مسؤول دولي أو أممي إلا ورفع الصوت داعياً للتضامن بمواجهة كورونا.

ترامب والمسؤولون الأميركيون بالعموم، وفيما تسجل بلادهم النسب الأعلى في الانتشار والإصابات والوفيات، يبدون أكثر انشغالاً بفرض العقوبات ومحاصرة الدول وتصعيد «العمليات العسكرية» العدوانية حول العالم.. لم يخرج مسؤول أميركي واحد، ولا وسيلة إعلامية أميركية، لتدعو إلى التضامن والتكاتف بمواجهة كورونا الذي وحّد البشرية في المخاطر وفي التهديد بإفناء أعداد هائلة.. حتى المواطن الأميركي نفسه يبدو متروكاً بمواجهة كورونا في ظل تركيز النظام الأميركي على الاقتصاد، فهو الأول، والعسكرة والحروب ثانياً، وضمان الهيمنة ثالثاً.. وهناك رابعاً وخامساً وسادساً وصولاً إلى المرتبة الأخيرة التي يقبع فيها المواطن الأميركي في عهد ترامب الذي يرفض اتخاذ أي من إجراءات الحماية الشاملة على مستوى البلاد، باعتبارها تضرُّ بالاقتصاد الأميركي، كما يرفض وقف العمليات العسكرية في الخارج باعتبارها تؤثر على الهيمنة الأميركية.. ويرفض رفع العقوبات ولو مؤقتاً أو جزئياً، فإذا لم “ترضخ” الدول التي تصنفها أميركا «عدواً أو خصماً» بفعل الحروب أو الاعتداءات أو العقوبات، لا بد أن “ترضخ” بفعل كورونا من وجهة النظر الأمريكية.

بكل الأحوال، وإذا ما وضعنا الولايات المتحدة جانباً، فإن الدعوات إلى التضامن العالمي بمواجهة كورونا لا تتوقف، بل هي اتسعت مؤخراً باتجاه الدعوة لإعادة ترتيب الأولويات العالمية والتركيز على مستقبل البشرية والابتعاد عن الحروب والصراعات التي لم تؤد إلا إلى المزيد من التهميش والإفقار والموت والدمار.

الحل لا بد أن يكون عالمياً

يُقال “في طي كل نقمة نعمة”، و”في المحن تظهر المِنح”، فكيف إذا كانت المحنة متعلقة بوباء عالمي لا يميز بين الدول والشعوب، غنيها وفقيرها، ولا يميز في الأعمار والجنس واللون والدين، والمكان والزمان.. وعليه يُفترض أن جميع دول العالم معنية بشكل حتمي بالتضامن.. وأن لا مجال للتردد أو التشكيك واللامبالاة والاستخفاف، ففيروس كورونا يزحف وينتشر بصورة فائقة السرعة، ليضع العالم أمام لحظة الحقيقة، أمام حتمية التضامن.. التضامن اليوم هو الحل، طالما أن العلاج الطبي لا يزال قيد المجهول.

والسؤال: ماذا كانت نتيجة الدعوات إلى التضامن، وقبل ذلك سؤال حول العبر والدروس وأهم ما كشفه كورونا؟

تحدي البقاء

– ربما لم تكن البشرية في تاريخها أمام اختبار وتحدي البقاء كما هي اليوم أمام كورونا.

صحيح أن الحروب والصراعات لطالما شكلت مصدراً رئيسياً للموت الدمار، إلا أنها في النهاية من صنع الإنسان، ويمكن أن تنتهي بالهدن أو بالاتفاقيات أو باستسلام أحد الأطراف، وحتى في مسألة الحروب البيولوجية- الجرثومية، لطالما كان هناك حل من نوع ما، ولطالما كانت هذه الحرب متركزة في بقعة جغرافية محددة ومحصورة، ولكن مع كورونا يختلف الوضع كلياً.

كل الحروب وكل ما صنّعته البشرية من ترسانات الأسلحة التقليدية والنووية، كلها لا تستطيع تأمين الشفاء والنجاة من كورونا.

– المفارقة مع كورونا أنه أضعف التحالف الدولي- الإنساني، بدلاً من أن يقويه، رغم تأكد الجميع أن قارب النجاة إما أن يمضي بالجميع وإما أن يهلك الجميع، ولعل في الاتحاد الأوروبي وما يعيشه من أنانية وانعزال ورفض دوله مساعدة بعضها البعض خير مثال.. حتى الدول التي هبت للمساعدة وإنقاذ الأرواح مثل روسيا والصين كانت الاتهامات الباطلة في انتظارها بزعم أن هذه المساعدة “هي محاولة للسيطرة والهيمنة”.. هذه الاتهامات لم تصدر عن الولايات المتحدة فقط ، بل عن دول في الاتحاد الأوروبي نفسه، كفرنسا مثلاً، التي ترفض مساعدة جيرانها، الأكثر تضرراً (إيطاليا وإسبانيا) وفي الوقت نفسه ترفض أن يساعدهم الآخرون، ما يعني أن السياسة وتكتلاتها، ونقصد هنا الأنظمة الرأسمالية ما زالت تفعل فعلها في منع التضامن والتعاون الدولي حتى مع خطر مثل كورونا.

خيبة في كل مرة

– كلما حلت الملمّات بالبشرية اعتقدنا أن اللحظة الجامعة حانت لتسود حالة التضامن، ولتأخذ الإنسانية مجراها الطبيعي في الإنقاذ وحماية هذا العالم، لكن هذه اللحظة تعود في كل مرة لتُخطّئ اعتقادنا، وتخيّب آمالنا، وتكشف أكثر فأكثر أن «الإنسانية» ليست جاهزة بعد، بل هي مُثقلة بالأزمات الأخلاقية والنزعات الفردية والعنصرية والانعزالية.. والغرب هو المصدر الأساسي لهذه الأزمات.. أليست قلة التضامن العالمي بمواجهة كورونا دليلاً على كل ذلك.. علماً أن هذا التضامن لا يتعارض مع إجراءات الحماية من إغلاق الحدود ووقف التنقلات والسفر أو بتوسيع الحظر وتعليق الأعمال، هذه الإجراءات لم تمنع روسيا والصين وكوبا من التضامن مع غيرها من الدول وتقديم ما تستطيعه من مساعدات لها، بما في ذلك الوجود معها على الأرض في مواجهة كورونا.

– بعيداً عن أعداد الضحايا والمصابين، كشف كورونا أهمية الدولة الوطنية، وأهمية مؤسساتها وعلى رأسها مؤسسات الصحة والرعاية الصحية التي توفر خدماتها مجاناً للمواطنين أو بأسعار رمزية، هذه المؤسسات كانت حاضرة بقوة في الدول الوطنية وكان لها دورها في مواجهة كورونا ومحاصرته ومن ثم قطع شوط مهم في سبيل احتوائه، أقله حتى اكتشاف لقاح له.

– كثيرون يرون أن المجتمع الدولي أهدر وقتاً ثميناً ليفهم ويدرك خطورة فيروس كورونا، وأن دعوات التضامن جاءت متأخرة، ويتحدثون من هذا المنطلق عن عالم ما بعد كورونا.. وعن لحظة تضامن إنساني ما كان ينبغي تفويتها، ويقولون: ربما في الفيروس الكوروني المقبل نحقق هذا التضامن!

هل سيكون هناك فيروس كوروني آخر.. مقبل؟

لم لا؟

في حال النجاة من كورونا اليوم، ليس مستبعداً بعد عامين أو ثلاثة أن نواجه «كورونا مستجداً» آخر في إطار سلسلة «الكورونات» المتواترة منذ عقدين من الزمن.. عندها هل سنعيد سيناريوهات التعامل نفسها؟.. سؤال ما زال بالإمكان أن يكون جوابه: لا لن نعيد السيناريوهات نفسها في حال حققنا اليوم التضامن المطلوب؟

 

 

لمزيد من الأخبار يمكن متابعة حسابنا على التلغرام:

https://t.me/damas0times        

أو قناتنا على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCAycKbU4tzro_X8KRI3tzsA

 

عدد القراءات:204

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث