كتب محمد صالح الفتيح في جريدة " السفير":

تفرض ذكرى سقوط بغداد حضور أشياءٍ كثيرةٍ على طاولة النقاش، قد لا يكون من بينها، للوهلةِ الأولى، مسألة «الممانعة». ولكن عندما تتصادف الذكرى الثالثة عشرة لسقوط بغداد مع دخول الأزمة السورية عامها السادس، ودخول حرب اليمن عامها الثاني، يبدو من المفيد أنّ نتوقف قليلاً عند مسألة «الممانعة».
قد يكون من الصعب الاتفاق على التاريخ الدقيق لميلاد مفهوم الممانعة، ولكن يمكن أنّ نقول إنّ الغالبية لن تعترض إذا ما قلنا إنّ فكرة الممانعة قد طُرحت، وتبلورت، في أعقاب هجمات 11/9 وإطلاق أميركا حربها العالميّة تحت شعار محاربة الإرهاب. تختلف الممانعةُ كثيراً عن المقاومة، فالأخيرة طالما ارتبطت بشكل شبه دائم بالتصدي للعدوان العسكريّ، بوسائل عسكريّة غالباً، هادفةً إلى هزيمة العدوان أو إيقافه. لا لُبس حقيقيا حول مفهوم المقاومة. أما الممانعة، كما طُرحت بعيد اندفاع الثور الأميركي إلى المنطقة، حاملاً قائمةً بمن يجب إزاحته أو قتله أو محاسبته، فقد طرحت من منطلق أنّ مواجهة العدوان العسكريّ الأميركيّ، بوسائل عسكريّة، هي أمرٌ شبه مستحيل، ومعروف الخواتم، كما أنّ الرضوخ والقبول بما يريده الثور الأميركي يعني فقدان شرعية الوجود. فكان الحل الوسط هو طرح فكرة الممانعة، الانحناء قليلاً في وجه العاصفة عندما تشتد لتجنب الانكسار، وفي الوقت نفسه، العمل على تعطيل المشروع الأميركي لكن من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الآلة العسكرية الأميركية، التي تحركت على نطاق يفوق ما فعلته في حرب فيتنام مقارباً مستويات الحرب العالمية الثانية.
إلا أنّ الممانعة رأت أيضاً أنّه من المفيد إبقاء الحوار مفتوحاً مع الثور الأميركي، فالحوار بالكلمات أفضل من الحوار باللكمات، وضمن هذه الرؤية حصل الثور الأميركي، على سبيل المثال، على معلومات أمنيّة عن إرهاب «القاعدة» وعن التحضيرات لعمليات إرهابية مقبلة لها. أحبطت معلومات دمشق هجوماً لـ «القاعدة» على الأسطول الأميركيّ الخامس في البحرين، نهاية العام 2002. كما عملت دمشق، في ذلك الوقت أيضاً، كما كُشف مؤخراً، كصلة وصل بين بغداد والمخابرات الأميركيّة. كما أن آخرين من محور الممانعة صرحوا أن الغزو الأميركي للعراق ما كان لينجح لولا مساعدتهم. إذاً هي مجموعةٌ من السياسات المتباينة التي تم تبريرها من منطلق تجنب الأسوأ، والتي اعُتقد أنها مؤقتة إذ استندت فكرة الممانعة إلى القول بأن العاصفة مهما استمرت سوف تنتهي.
ولكن العاصفة لم تنتهِ.
هاجم الثور الأميركي «القاعدة» في أفغانستان، ثم حضَّر لغزو العراق، وغزاه. ثم انتقل مباشرةً إلى سوريا، فكان قرار «محاسبة سوريا»، ثم القرار 1559 ثم اغتيال الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان ثم حرب تموز، ومشروع الشرق الأوسط الجديد، ثم الحرب الأهلية العراقية، والتأجيج الطائفي الصريح والهائل في المنطقة... ثم جاء «الربيع العربي». طوال ذلك الوقت، انتهجت الممانعة سياسة «رد الفعل الممكن» بانتظار انتهاء العاصفة. لكن المشكلة هي أنّ دولةً عظمى بميزانية عسكريّة تزيد على 600 مليار دولار سنوياً، وبميزانية استخبارات تزيد على 100 مليار دولار سنوياً، لا تميل للتوقف عن نفخ العواصف.
تزداد المشكلة تعقيداً، بالنسبة لمن انتهج الممانعة، بسبب تباين وجهات النظر حول تقييم الخطر وحول ما يجب القيام به في كل حالة. فعلى سبيل الذكر لا الحصر، ليس من المستغرب القول بأن تقييم دمشق لخطر الوجود الأميركي في العراق خشي من أن دوران العجلة السياسية التي ركبها الأميركي في بغداد، الدستور الجديد والانتخابات وسوى ذلك، سيشجع الأميركي على تكرار تجربته في سوريا، أو غيرها من دول المنطقة. لهذا ـ وإن لم تذكر دمشق ذلك صراحةً – كان من المفيد لها لو أن العملية السياسيّة في العراق، كما تريدها أميركا، فشلت، بغض النظر عن أسباب الفشل. ولكن طهران مثلاً كان لها رأي معاكس تماماً. فنجاح العملية السياسية إياها كان يعني تحصين مواقع النفوذ الإيراني في بغداد.
في النهاية، كانت دمشق هي الخاسر الأكبر ليس فقط من احتمال حصول الخطر المذكور أعلاه، بل لأن القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة، والتي نظرت بعين الخشية إلى تضخم نفوذ إيران في العراق، اعتبرت أن دمشق انتهجت، عن عمد، سياسةً معاديةً لها في العراق، بالتواطؤ مع إيران. وبالطبع تضررت دمشق كثيراً بسبب هذا. كما أنها دفعت ثمن الظنون الخليجية السيئة فيها حتى عندما قررت أن تنسحب من لبنان عقب اغتيال الحريري، فقد كانت الترجمة الفعلية لهذا الانسحاب، بغض النظر عن النوايا والتصورات في البداية، هي سقوط التفاهمات السورية السعودية التي أمنت استقرار الحكم في لبنان لأكثر من عقد من الزمن، وبروز «حزب الله» كأحد أهم اللاعبين في الساحة اللبنانية، وباستقلالٍ كبيرٍ عن إرادة دمشق، وإن لم يظهر أيّ اختلافٍ في وجهات نظر الطرفين. سقط التفاهم الذي حفظ نفوذ السعودية في لبنان، فحّمَّلَت الرياض المسؤولية لدمشق، بطبيعة الحال. دمشق أيضاً كان لها حصتها من السياسات التي تتباين مع توجهات باقي حلفائها، مثل المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل برعاية تركيا منتصف العام 2008، ثم المصالحة مع السعودية والقبول بسعد الحريري رئيساً للوزراء.
أما أهم نقاط الضعف في فكرة الممانعة فهي قد تكون أنها لا تمتلك قائمةً واضحةً من الأهداف التي تسعى لإنجازها، على المدى الطويل. وباعتبارنا نعيش اليوم أيضاً ذكرى ميلاد «حزب البعث» التاسعة والستين، فيمكننا أن نجري مقارنةً أخرى، فقد تحدث البعث يوماً عن هدف توحيد العرب، وعن الاشتراكية والحرية. لاحقاً، تحدث «البعث» في سوريا عن ضرورة إنجاز تضامن عربي، بمستوى معين، يؤمن المظلة السياسية الضرورية لاستعادة الحقوق، المغتصبة في حزيران 1967. نعم انخفض السقف كثيراً، ولكن المهم هو وجود هدف أو قائمة من الأهداف الواضحة والصريحة، وفق تبريرات سببية ومنطقية معينة. «الحزب السوري القومي الاجتماعي» له أيضاً أهدافه الطموحة، ولكن التصريح عن هذه الأهداف، مهما بدت صعبة أو بعيدة، يسمح بتصور ملامحها ويسمح بتقدير عدد الخطوات التي تم قطعها على طريق الألف ميل، أو المليون ميل. ولكن ماذا عن الممانعة؟ ما هي قائمة الأهداف، باستثناء انتظار انتهاء العاصفة؟ هزيمة المشروع الأميركي؟ ما إن تنتهي إحدى حلقات المشروع الأميركي حتى تبدأ أخرى، كما أن سياسة أميركا في المنطقة هي انعكاس لسياستها العالمية. وكيف يمكن العمل لإسقاط المشروع الأميركي بينما يبني البعض أحلام تقاسم القرار في المنطقة معه؟
إسقاط الأنظمة الخليجية؟ لماذا وما هو البديل؟ دائماً ما اتهمنا الأميركي بالغطرسة وقصر النظر في كل مرة كان يطرح فيها إسقاط نظام ما، أو يدعو زعيماً ما للرحيل، فأين بُعد النظر في طرح إسقاط الأنظمة الخليجية ـ في حال كان ذلك ممكناً بالطبع ـ وهل تختلف الأنظمة التي يمكن أن تقدمها تلك المجتمعات عما هو موجود حالياً؟ هل هدف الممانعة هو دحر إسرائيل؟ كيف وما نراه عملياً هو الاكتفاء بالعمل على ردع إسرائيل عن اتخاذ قرار الحرب؟ أليس هذا تكريساً لحالة اللاحرب واللاسلام. ألم نتعلم، من تجارب العقود الماضية، أن حالة اللاحرب واللاسلام لا تمنع التعرض للاستنزاف عبر وسائل أخرى؟ «الربيع العربي» خير مثال. ولهذا «الربيع» شجونه، وقد عالجت الممانعة العنف، والإرهاب الإسلامي، الذي جلبه هذا «الربيع» بالطريقة نفسها: أي انتظار أن يقتنع صاحب المشروع بفشل مشروعه فيحزم حقائبه ويرحل. ولكن صاحب المشروع، كما نرى في سوريا اليوم، لم يقتنع بفشل مشروعه. وبينما يستعد أوباما لتسليم أوراق اللعبة للرئيس الأميركي الجديد، قام بإنجاز نقل 3000 طن من الأسلحة والذخائر للمسلحين في سوريا، ستكفيهم بكل تأكيد إلى ما بعد استقرار أمور الرئيس الجديد في المكتب البيضاوي.
قد يقول قائل هنا بأن المرء لا يراجع استراتيجياته خلال الحرب، وهذا قول صحيح في العموم، ولكن في حالتنا الخاصة هذه ألا تُظهر الجداول الزمنية للحل السياسي، وفق القرار 2254، والتغييرات في الميدان، مثل إعلان الفدرالية في الشمال السوري، بأنّ هناك تغييراتٍ كبيرةً محتملةً قد تطال الممانعة في كل الأحوال؟ باختــــصار، ربما تحتاج المراجعة الشاملة لمفهوم الممانعة إلى مجلدات عــــدة، ولكن المرور السريع أعلاه يدفع للقول بأن الأفضل هو استثمار الجهود والعقول في البحث عن مفاهيم واستراتيجيات جديدة، بدل النقاش المطول لما طرح أساساً «كرد فعل مؤقت».

 

عدد القراءات:580

هل ترغب بإضافة تعليق

الاسم الكامل
التعليق




لا يمكنك قراءة الكود? اضغط هنا للتحديث